خلال احتفال أقيم أمس في أبوظبي، أعلن عن فوز اللبنانية هدى بركات (١٩٥٢) بجائزة «بوكر» للرواية العربية لعام ٢٠١٩ عن روايتها «بريد الليل» (ـدار الآداب ـــ 50 ألف دولار أميركي، مع ترجمة الرواية إلى الانكليزية). وبعيداً عن هذا السجال الصحي والمطلوب حول «بوكر» وآليات عملها لأي حريص على الثقافة العربية من سطوة المال والسياسة التي تربط الروايات بالمزاج السياسي السائد في الدولة المانحة وآليات التسويق في المتاجر الكبرى، فإن «بريد الليل» لبركات عمل روائي كبير في مسيرتها التي دشنتها بـ «حجر الضحك» (١٩٩٠)، لنعرفها بعدها في أعمال عظيمة ترجم جلّها إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية والإسبانية وغيرها مثل «حارث المياه» (١٩٩٨) و«أهل الهوى» (٢٠٠٠)، و«سيدي وحبيبي» (٢٠٠٤) اضافة إلى أعمال أخرى مثل مجموعة قصصية بعنوان «رسائل الغريبة» (2004) و«فيفا لاديفا» (٢٠٠٩) وهي مسرحية باللغة العامية اللبنانية، وكذلك «ملكوت هذه الأرض» (٢٠١٢) التي عادت بها الى مسقط رأسها في بشري (شمال لبنان) لترسم سيرة روائية للأهل والأماكن الأولى والجذور.

أما «بريد الليل»، فهو كتاب ممتلىء بالحزن والقسوة، كأن الأدب ينتظر الليل ليبعث برسائله ويفرغ مكنونات الإنسانية التي ليست على ما يرام، برجال ونساء يكسوهم (ن) الزمن يوماً بعد آخر قسوة وحقارةً تجاه الآخرين وتجاه أنفسهم. بشر في قاع التعاسة لا يقوى السفر أو الترحال على تغيير دواخلهم: يتركون بلادهم الممزقة بفعل الحروب والنزاعات العرقية والمذهبية ليخلقوا في منافيهم عوالم منغلقة على ذاتها، ممتلئة بالتناقضات ومؤذية لأصحابها أنفسهم وللآخرين. التقنية التي تستعملها بركات في عملها، عالية لجهة القالب والحرفة: كل واحدة من الشخصيات الخمس تكتب رسالة لن تصل الى الشخص المقصود: تقع الرسالة في الطريق بيد شخص آخر يغريه ما فيها من اعترافات وآلام وفظائع مرتكبة، فيكتب بدوره عن سيرته وتجاربه ومآسيه. تتقاطع الرسائل مثل مصائر هؤلاء الغرباء. وهم المهجرون أو المنفيون المشردون، يتامى بلدانهم التي كسرتها الأيام، فأحالت حيواتهم إلى لعبة «بازل». تكتب شخصيات بركات من دون أقنعة، من دون أن تجامل أو تبرر أو تلوم ذاتها على أدنى خطيئة أو قسوة أو جنحة، هي تروي فقط. تجد كل واحدة نفسها في لحظة من الوحدة أو عند منعطف: لا شيء لتخسره هذه الكائنات التائهة في الروح والجغرافيا، فتشرع من داخل التيه في سرد الماضي والطفولة والمراهقة، وكل ما اقترفته يداها طوعاً أو جبراً، من دون أدنى رغبة في التوبة أو طلب الصفح والغفران.

رواية عن هؤلاء الذين تركوا بلادهم الممزقة بالحروب والنزاعات العرقية والمذهبية

«لم أع ما حدث سوى هذا الصباح. كانت ممددة كالخشبة فاتحة ذراعيها وساقيها. شعرها ككبّة شوك سميكة وعيناها مفتوحتان ناتئتان خارج المحجرين ولسانها الأزرق الممدود من فكّيها المفتوحين على أقصى ما يمكن. لا بد من أني خنقتها، إذن، فَحول رقبتها دوائر زرقاء وتحت إليتيها بركة من البول البارد. سحبت نتف ثياب النوم بصعوبة من أصابعها. غطّيت وجهها ثم كامل جسمها بالشراشف. قمت إلى المطبخ أعددت القهوة وجلست على الكرسي الصغير أفكر: يا إلهي كم هي بشعة الآن، لقد حدث ما حدث وربما تكون بشاعتها السبب في هذه المصيبة التي حلّت بي. أعني هي الآن ميتة لا تعي شيئاً، أما أنا فحيّ، وعليّ أن أجد مخرجاً لما وجدت نفسي فيه. ليس الأمر بالسهل أبداً، فالتخلص من الجثث لم يكن يوماً من اختصاصي. كان له فريق من المكلّفين لا أعرف شيئاً عن عملهم». هكذا يكتب المهاجر الذي يقتل المرأة الأجنبية التي عشقته وآوته في منفاه بقصد سرقتها، لكن ليس في «بريد الليل» من يقين: ليس من َقتل مجرماً ولا المومس عاهرة. هدى بركات التي حازت سابقاً العديد من الجوائز، تجعل «بريد الليل» على صورة زماننا... منطقة للشك الكبير والالتباس وامحاء الحدود وضياع الأمكنة والسيَر والبيوت الأولى.