قبل الدخول إلى العرض، على المشاهدين أن يربطوا عيونهم بقماشة سوداء. لا شيء مرئياً في الداخل. هناك قطع إسفنجية موزّعة على الأرضية (سينوغرافيا: إيفا سودارغايته الدويهي، وتارا ساخي). وفي رحلة وصولهم نحوها حيث عليهم التمدّد (بمساعدة بعض الأشخاص) سيطأون تضاريس نافرة. عرض «تويوتا 89» لبترا سرحال يبدأ بتجهيز مسموع ينقل موسيقى المدينة وضجيجها (تصميم صوت فادي طبال ــ تأليف موسيقى شريف صحناوي وطبال)، وصوت الفنانة. الحركة غائبة تماماً في العمل الكوريغرافي المفهومي للمصممة والراقصة اللبنانية. تعيد تفكيكها وبنائها، من خلال الصوت واللغة، وأجساد المشاهدين الممددة طوال مدّة العمل. كيف يمكن لغةً أن تصف حركة الأجساد؟ تبحث الفنانة عن مفهوم أشمل للحركة نفسها، وعمّا يمكن أن يختزنه الجسد أو يبتكره من مصادر غير ملموسة متمثلة هنا بالصوت. تستنطق الذاكرة الجسدية للمشاهدين، عبر ذاكرتها الجسدية المروية. المجال مفتوح بأكمله لهم في فضاء لا يرون منه شيئاً داخل «الهنغار» (الغبيري ـ بيروت) الذي يحتضن العرض حتى 26 أيار (مايو) الحالي. في عملها وأبحاثها الكوريغرافية، تولي سرحال حيّزاً للعلاقة بين الفنان والجمهور، ولو كان في ذلك مخاطرة قد تفلت من يدها أطر العرض تماماً، وتضعه بمجمله في رأس المشاهدين وفي ذاكرتهم الجماعيّة والفرديّة، أمام موت المؤدي أو المؤلف وفق تعبير رولان بارت الذي استعانت به في بحثها. في أعمال سابقة مثل «لا يتضمّنه دماء» (2016) دعتهم إلى اختبار لحظات الحداد الصامتة على جسد غير موجود. ومع مجموعة «دكتافون» التي أنجزت معها عدداً من الأعمال، من بينها «المأسوف عليه» (2011)، طلبت منهم مشاركتها في العزاء على صديقها الميت. اليوم، تشتغل المصممة على مشروع «أداجيو» حول تاريخ الرقص والحركة في لبنان بعيداً عن صفوف الرقص الكلاسيكية، من خلال فيديو لجسد امرأة كبيرة في السن. «مطلّ وبانوراميك» هو فيديو أيضاً لتدخّلها الأدائي في دالية الروشة حي رقصت في تلك المنطقة المحمّلة بمعانٍ سياسية واجتماعية وجندرية. السياق المكاني لبيروت، حاضر في عرضها الجديد. الحركة لديها لا تنفصل عن المكان أو الفضاء المحيط. خلاله، تروي لنا سرحال رحلتها بسيارة «تويوتا» من الحمرا إلى الأشرفية، لكن المشوار سينتهي بالجسد متفككاً ومحلّقاً في سماء بيروت: الرأس، اليد، والقدم، والصدر، والشعر، الأضلع، المبيض… المدينة التي يسبح الجسد المتشظّي فوقها مدينة متشظية بدورها. هي مدافن جماعية، بؤر للاغتيالات والموت، للضجيج، ولسلب المساحات العامّة، ولمطامر النفايات، وللقوى الدينية والحزبية. يتتبع الصوت حركة الأعضاء المتهاوية: الرأس والشعر والرقبة سقطت في الكولا، حيث كان يوجد «معمل غندور» قبل أن ترتفع أبنية شاهقة وتقفل المشهد. القدم اليمين تحطّ في الزيتونة التي سلبتها مشاريع تجارية خاصة. نقطة دم تعلق بكعب حذاء عنصر أمن في عين التينة. الدماغ يدخل إلى نفق سليم سلام ويختفي داخله… تستحضر سرحال جسد المدينة نفسه، وتسائل علاقة الأجساد به: ما هي الحركة التي تكتسبها الأجساد من تماسها اليومي مع بيروت وصخبها والأحداث التي شهدتها؟ حين ينزع المتفرّج غطاء عينيه في نهاية العرض، سيجد نفسه في أحد الأمكنة التي تهاوت عليها أعضاء جسد الفنانة. تهاوٍ وصفت سرحال حركته بشكل مفصّل لغويّاً لكي تبعثها من جديد، دافعة كل متفرّج إلى بناء حركته الخاصّة التي ستبقى داخل رأسه غالباً. التفكيك الشامل للجسد، السينوغرافيا والمدينة (نراها على خريطة مقسّمة بحسب أمكنة سقوط الأعضاء)، هو الذي سيبني الكوريغرافيا الغائبة للعمل، عبر حركات لا متناهية تتراكم عرضاً بعد آخر.


* «تويوتا 89» لبترا سرحال: 20:30 مساء ـــ حتى 26 أيار (مايو) ــ «الهنغار ــ أمم للتوثيق والأبحاث» (الغبيري ــ بيروت). ihjoz.com/events/4532-toyota89