من دون سابق إنذار، تقول السيدة بنبرة مستغربة: «حارة يهود». ما إن لمحت المصور يلتقط صوراً للحي في صيدا القديمة، حتى عاجلته بالتوضيح بأنها «حارة اليهود» لا «حارة القدس» كما تشير اليافطة الصغيرة المثبتة على مدخل الرواق. لا تنتظر أم إسماعيل (75 عاماً) توجيه الأسئلة إليها. تسرد ذكرياتها عن جيرانها اليهود والمسيحيين الذين عاشوا سوياً منذ زمن الأجداد. تنظر إلى البيوت المرتفعة فوق بعضها: «هذا بيت عمي أبو سيروب غيزريان، وذاك منزل أم ماهر لوريس. وهنا أم حسني جريس وهناك رينيه غمالو وعمي أبو رفول، شيخ اليهود». تختلط ذكريات جيرانها بذكرى ابنها وليد الذي اختطفه جنود العدو الإسرائيلي من الحارة خلال اجتياح صيدا في حزيران (يونيو) 1982 ولم تعرف مصيره حتى الآن. «الست اليهودية تحدثت للجنود بالعبراني بألا يأخذوا الشباب. لكنهم لم يسمعوا منها». تقطع أم إسماعيل سردها كلما لاح لها أحد المارة. تخفض صوتها وتمسح على شفتيها، وتومئ لمحدثها بأن يكفّ عن الكلام حتى يعبر المارة. توحي كأن سيرة اليهود ممنوعة هنا. بعدما كانوا جزءاً من البلد القديمة، أدت الأحداث المرتبطة بالكيان الصهيوني إلى مغادرتهم على نحو تدريجي منذ ما قبل نكبة فلسطين عام 1948، وصولاً إلى تحرير صيدا من الاجتياح الإسرائيلي عام 1985. وفي عام 2008، أوعز أحد المشايخ السنة بتثبيت يافطة «حارة القدس» بدلاً من حارة اليهود رداً على العدوان الإسرائيلي على غزة حينذاك. لكن اليافطات لا تغير في التاريخ والجغرافيا. لا يزال أثر اليهود محفوظاً في لوائح الشطب والمقابر والملكيات، لا سيما الكنيس اليهودي داخل الحارة. ذلك الإرث، جمعه الأستاذ المساعد في الجامعة اللبنانية طالب قره أحمد في كتاب صدر حديثاً بالتعاون مع بلدية صيدا. صاحب الكتاب عايش اليهود عندما عمل في صغره لدى فلسطيني كان يسكن في حارة اليهود وكان يكلفه بدفع إيجار المحل لأصحابه من اليهود.

(علي حشيشو)

النكبة أول الغيث
إبان الانتداب الفرنسي عام 1936، صدر الاعتراف الرسمي باليهود كطائفة مستقلة سميت «الإسرائيلية» نسبة إلى ترجمة اسم النبي يعقوب بن اسحق من الفرنسية إلى العربية (إزرائيل أي إسرائيل). حينذاك، كان عددهم 5 آلاف شخص في لبنان. وفي آخر إحصاء أجراه قره أحمد عام 2016، سجل وجود 200 يهودي ترواح أعمارهم بين 50 و70 عاماً. ونقل عن إحصاءات رسمية صدرت عام 2003، وجود 1500 يهودي، 60 في المئة منهم مسجّلون كيهود والباقي تحولوا إلى طوائف أخرى. أما في صيدا، فقد أحصي عددهم عام 922 ميلادية بعائلة واحدة. وفي عام 1830، أصبحوا 25 عائلة تكاثرت بشكل ملحوظ حتى سجلت عام 1956، 1108 عائلة. لكن نكبة فلسطين ثم العدوان الثلاثي على مصر ونكسة عام 1967 وبداية الحرب الأهلية اللبنانية، خفضت عدد المقيمين تدريجاً حتى وصل إلى 40 عائلة عام 1975، بقي منها ثلاثة أشخاص بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. أولئك شجعهم جنود العدو على المغادرة معهم عند تحرير صيدا بعد ثلاث سنوات «خوفاً عليهم من ردات الفعل». يفرد الكتاب فصلاً لاستعراض العائلات ونشاطها وأبرز وجوهها منها أشكينازي وإلياهو وبصل (عرف منهم المفوض العام للشرطة اللبنانية إيليا بصل) وخضري (عرف منهم يعقوب حاخام الطائفة الإسرائيلية في حارة اليهود) وديوان (من أبرز أثرياء الطائفة، اشتهروا بالدين بالربا. من زبائنهم آل الأسعد الذين رهنوا عقاراً لهم في الطيبة كرهن لسداد الدين. ولما لم يستطيعوا ذلك، امتلك إسحاق ديوان الأرض ولا تزال باسمه). آل الخياط وآل نكري اشتهرا بالصرافة، فيما اشتهر آل بوليتي وآل أشير بالخياطة وآل زيتوني بتجارة الأقمشة. واللافت أن بعض أسماء العائلات مشتركة مع أسماء عائلات صيداوية مثل شحادة (منهم مختار حارة اليهود المطهر أبو موسى) والصباغ (عرف شموييل ابراهيم الصباغ وكيل الوقف اليهودي).
مع قيام الكيان الصهيوني، شارك بعضهم في تظاهرات «هاتفين بسقوط الصهيونية، ومنادين بعروبة فلسطين»


تميز اليهود بين جيرانهم الصيداويين بعاداتهم وطقوسهم المجتمعية والدينية والثقافية. كانوا يبيضون بيوتهم بالكلس من مخزن الكلس القائم في حارتهم ويملكه آل البني. كما اشتهروا بالدين مقابل الربا، لكن بشروط. يقرض اليهودي أخاه اليهودي من دون فوائد ويعفو عن سداد الدين بعد سبع سنوات. أما المدين من غير اليهودي، فلا يحصل على ذلك الامتياز. وفي نشاطهم الاقتصادي إضافة إلى الصرافة والدين، اشتهروا ببيع الذهب والأقمشة والخياطة. «كانوا خياطين ماهرين وأسعارهم أرخص من سواهم» فيما لم يسجل للناس أيّ دور بارز في الشأن العام أو الأنشطة والعمل.

(علي حشيشو)

شاركوا في مظاهرات ضد وعد بلفور
لم يكن يهود صيدا جميعاً مع قيام الكيان الصهيوني مكان فلسطين. وفق الوثائق التي جمعها قره أحمد. في 26 آب (أغسطس) 1929، شاركوا في تظاهرة ضد وعد بلفور «هاتفين بسقوط الصهيونية، منادين بعروبة فلسطين. ومن الموقعين على العريضة التي نظمت، الحاخام اليهودي في صيدا». لكن في المقابل، وبعد صدور قرار تقسيم فلسطين 1947، احتفل عدد من يهود لبنان في كنيس أبراهام في بيروت وغادر بعض شبانهم للقاء عصابات الهاغاناه عبر الحدود الجنوبية. موقفهم استدعى ردات فعل ضد أملاكهم. في وادي أبو جميل حيث معقلهم الرئيسي، تعرضت ممتلكاتهم للتخريب والتفجير. منذ ذلك الحين، بدأ بعضهم يبيع أملاكه والمغادرة إلى فلسطين المحتلة. الإجراءات الرسمية التي اتخذتها الدولة بعد نكبة فلسطين، ساهمت في دفعهم للمغادرة، منها إلغاء المناسبات اليهودية من روزنامة الأعطال الرسمية والتشديد في منح جواز سفر ليهودي. بشكل عام، بات محظوراً بشكل غير مباشر كل ما هو إسرائيلي. جريدة «العام الإسرائيلي» استبدل اسمها بـ «السلام»، قبل أن تتوقف عن الصدور، فيما توقفت المساعدات الحكومية للمدارس اليهودية. تأثرت صيدا بالجو العام، فشهدت هجرة يهودية كبيرة. غادر رئيس الطائفة يوسف بوليتي إلى «إسرائيل». انخفاض عدد المقيمين، أدى عام 1962 إلى إقفال مدرسة «الإليانس» المخصصة لأبناء اليهود. وفي عام 1975، غادر آخر حاخام إلى بيروت. وبعد أربع سنوات، غادر المختار إبراهيم ديوان إلى بيروت. في المقابل، بادر ذكي لاوي إلى العودة إلى صيدا، محتمياً بالاجتياح الإسرائيلي الذي دام في المدينة ثلاث سنوات. والده جوزيف كان خياطاً يخيط ملابس الجيش اللبناني. ربطته علاقات ودية مع جيرانه. لكن جنود العدو أجبروه على الرحيل معهم.


مقابر وأطلال
في صيدا، لا تزال محال وعقارات عدة باسم أصحابها من اليهود. في عام 1990، توفي الوكيل المكلف بجمع بدلات إيجار المحال والبيوت من شاغليها وإرسالها إلى مستحقيها. فكر بعضهم بالتوقف عن دفع الإيجار لليهود. لكن مفتي صيدا الشيخ سليم جلال الدين، أفتى بضرورة دفع الحق لأصحابه. وفي عام 2015، كلف عدد من المالكين محامياً ليجبي بدلات الإيجارات. ومن أبرز العقارات، البستان اليهودي، أحد الأحياء في مخيم الحلوة نسبة إلى صاحبه من آل بوليتي، فضلاً عن ممتلكات تمتدّ من صيدا إلى لبعا. وفي المدينة، لا تزال السجلات تحفظ خان اليهود ووقف فقراء اليهود ووقف عطارة اليهودي ومقام النبي داوود ومقام النبي صيدون ومقام النبي شمعون (حلت محله المحكمة الشرعية السنية). أما الكنيس في حارة اليهود، فلا تزال نجمة داوود تدل عليه، رغم إشغاله من قبل عائلة سورية منذ ما بعد الاجتياح. أما مقبرة اليهود عند الواجهة الجنوبية للمدينة، فلا تزال الشواهد واضحة المعالم، رغم الإهمال الذي طالها لعقود. 310 قبور متوزعة على مساحة 20 ألف متر. في عام 2014، استحدث سور لحمايتها بمسعى من أحد اليهود. تلك الآثار لا تكتمل من دون محافل الماسونية التي كانت منتشرة في أنحاء مختلفة من البلد القديمة والسوق التجاري. إنما لم يعد لها أثر منذ بداية الحرب الأهلية.