أيام الطَيش، لم نكن طائشين، كنا نحبُّ الشعر. أيام الطَيش من زمان، كنا مختلفين بالنسبة إلى ذلك الوقت، بأفكارنا وأحلامنا وتطلعاتنا، كنا نحبُّ الشعر والشعراء، الأدب والأدباء، السياسة والفكر الجديد. كنا نحلُم. أيام الطيش. في أول مشوارنا مع الحياة كان بيت والديّ مشرعاً للجميع وكانت ديك المحدي، هذه التلة الجميلة المطلّة على البحر من جهة، وعلى صنين من الجهة الأخرى، كانت تستقبل السياسيين والمفكرين والمنظرين والشعراء والكتاب من لبنان ومن فلسطين وسوريا والعراق... وكان الباب مفتوحاً للجميع هناك على التلة المشرعة على الضوء والهواء والأفكار.


هناك في بيتنا رأيته لأول مرّة: شاب مُضيء. شاب نحيل شفاف ذو شعر طويل ناعم، شكله مختلف، سكوته لافت، وصوته خفيض هامس. شمعي البشرة واللون مختلف المشية. مختلف الضحكة الخاطفة. خجول. لم يكن مرتاحاً بثيابه الرسمية ولا مع نفسه ولا مع غيره. لكن ذلك كان خياره منذ البداية!
أنسي الحاج، عرفني بنفسه عندما استقبلته كما أستقبل الجميع من الأصدقاء الوافدين دائماً وبحرية وراحة تامة الى بيتنا.
أما الباقون من الشعراء، فكنت أَعرفهم جميعاً قبله: محمد الماغوط وأَدونيس، خالدة السعيد يوسف الخال، شوقي أبو شقرا... ثم لاحقاً، ومن بيت أدونيس حيث انطلق خميس شعر في ديك المحدي أيضاً، سمعت وتعرفت إلى نازك الملائكة وليلى بعلبكي وبدر شاكر السيَّاب.
أحببته كما تحب مراهقة شاباً مختلفاً ولا تعلم لماذا. شاب شاعر أديب صحافي معروف في ذلك الحين، ورغم حداثة سنه، رغم شبابه. لا شك في أنّ عبقريته كانت مبكرة. عرفته مع الكثير من الشعراء والأدباء لكنه هو الذي سكن مخيلتي. أحببتُ شِعره وخجله وابتسامته العابرة السريعة.
أنسي الحاج. الآن وبعد خمسين عاماً أظن أني أحببتك من النظرة الأولى. ولم أكن أعرف. وهو أحبني ولا أعرف إذا كان قد عرف. لم نكن نفكر في هذا كله، كنا نعيش حالة مختلفة من الوجود السوريالي.
في ذلك الوقت، كنت قد تخرجت من «كلية البنات الأهلية»، ولم أكن قد ذهبت الى لندن للاختصاص. كل ذلك حصل قبل أن أذهب الى لندن وقبل الانقلاب. في ذلك الوقت القصير، كنت أذهب إلى بيروت لأراه في الجريدة أو نذهب إلى ناديا تويني لنزورها قبل أن نذهب إلى المسرح بسيارة أجرة إلى ديك المحدي. لم أكن أعرف أنه لم يكن يريد أن أذهب وحدي بالليل إلى البيت، ولم أكن أعرف أنه معي خصيصاً كي لا أبقى وحدي، ذلك الوقت لم نكن طائشين أبداً، كنا مختلفين. ذلك الوقت كان مغلفاً بالحلم والضوء والحب. ذلك الوقت كان مغلفاً بالأَرق والسهر والمغامرة من نوع آخر.
زمن الطيش كان مليئاً بالآمال والأفكار والشعر والشخصيات المختلفة. ثم كان «لن» كتابه الذي ضجت به الأوساط الثقافية. وعرفت في ما بعد، بعد عشرات السنين أنه كان من وحيي ومن وحي الصنوبرات في ديك المحدي. وفي ديك المحدي، كنت أسمعهم يلقون الشعر في بيت أدونيس، فأسمع وأنبهر بهم وبجمالهم. لكن الشاب النحيل جداً، الجميل كان أحدثهم في شعره. وجاء «لن» ليثبت ذلك.
وبعد الزيارات إلى الجريدة في آخر سوق الطويلة، والمقاهي والجلسات في الجبل، سافرت إلى لندن إلى «الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية»، فكان سعيداً بجرأتي، وكان يكتب لي وعني ويتابعني ويعلم القراء أين أصبحت وماذا أفعل.
ثم كان الانقلاب وكنت أول سنة في لندن، وانقطعت عن أهلي وعن الجميع. لكن أُنسي كان يوصل إليّ الأخبار والرسائل (التي لسوء الحظ نهبت مع كل ما نهب في بيتنا).
لم يتركني وحيدة. تابعني كل حياتي بقلمه ومحبته. لما عدت من لندن وكان والدي أسد الأشقر في السجن، كان أُنسي قد بدأ بنشر مقالاته الأسبوعية تحت اسم «سبع بولس حميدان». وكان الناس ينتظرون الملحق كي يقرأوا مقالة «سبع بولس حميدان» ولم يكن أحد يعرف هويته الحقيقية، إلا أُنسي. كان الناس ينتظرون ملحق «النهار» كي يقرأوا مقالاته تحت اسم «سبع بولس حميدان». ثمَ جاء دور المسرح. وبدأنا بمسرحية «الآنسة جولي» لأوغست ستريندبرغ، وكنت وروجيه عساف نود أن نخرج هذا العمل. فاقتبسها أُنسي ونفضها وغيّرها حتى أصبحت عصرية.
وكانت، والحقُ يقال، من أجمل المسرحيات. وكان أيضاً هو المتفرج الدائم. فإذا كانوا عشرة متفرجين، يكون الاول، واذا كانوا عشرين، يكون الاول. فكان دائماً في الطليعة يدعم المسرح. وكنت كل ليلة في «مسرح بيروت» أَنظر من وراء «البرداية» كي أتأكد أنه هناك. فأطمئن.
واستمررنا في مسرحنا. واستمر هو في دعمه لنا ولغيرنا، فاقتبس وعرّب وأعاد كتابة المسرحيات اليونانية وشكسبير. بلغته التي لا تضاهى وحداثته المعهودة، جدد نفس المسرح باللغة العربية.
عندما أعود الى تلك السنوات المضيئة بحضوره، أذكره في الجريدة وفي المسرح ومع الشعراء ومع الكتاب. كان مالئ الدنيا وشاغلها. أُنسي الحاج أيها الصديق المقنَّع بالمحبة والشغف. أيها الفارس الشاعر الجميل. أحببتك وأُحبك، ولم أَبُحْ ولم تَبُحْ حتى مرّت كل هذه السنين. وضحكنا عدّة مرات على حالتنا، حالة البوح وعدَمِه. ولم نَبُحْ. أُنسي الحاج أنت الحافة. أنت حافة اللغة وحافة الحياة، تقف كأنك تريد أن تهوي في فضاءات أنت فقط تعرفها. وحافة الشعر التي ما زلت تدفعها حتى حافة أخرى وأخرى وأخرى
أيها الأَمير أكتب لك هذا البوح كي تقرأني.
* ممثلة ومسرحية لبنانية




إسهاماته في المسرح

بالرغم من غياب ترجمات أنسي الحاج المسرحيّة عن متناول القرّاء، إلا أن هذا لا يخفي إسهامه في نضوج المحترف المسرحي اللبناني خلال الستينيات، عبر ترجمات حديثة ولامعة لعدد من المسرحيات العالمية. وأبرز هذه الترجمات هي «كوميديا الأغلاط» لشكسبير، وترجمته المهمّة لمسرحية «الملك يموت» لأوجين يونسكو. كذلك عرّب «العادلون» لألبير كامو، و«القاعدة والاستثناء» لبريشت، و«رومولوس الكبير» لدورنمان و«الآنسة جوليا» لسترندبرغ. وتعاون على صعيد الترجمة مع بعض الفرق المسرحية اللبنانية مثل «بعلبك»، ومنير أبو دبس، وبرج فازليان، وشكيب خوري، وروجيه عساف، ونضال الاشقر. أما قصائده، فقد شكّلت بدورها مادّة لبعض المخرجين المسرحيين، كما فعل رضوان حمزة عام 2010، حين نقل ملحمته الشعرية «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» إلى عرض أدائي راقص، والراحل يعقوب الشدراوي الذي إقتبس بعض قصائده في مسرحيته «اعرب ما يلي».