شاعر في كل شيء، في طلّته وكلامه وجسارته ومزاجه وبالأخص في شعره. شاعر حين يكون الشاعر غير الأديب وغير الناظم وغير الحاذق وغير المتفنن. حين يكون الشعر ارتطاماً بالعالم وخياراً سليباً ومعركة وجود واعتراضاً جوهرياً ونفياً كلياً.


إنه الشاعر حين يكون الشعر كلاماً أوّل، كلاماً عفوياً وفورياً ودينامياً، حين يكون الشعر كل شيء إلا الصنعة والحذق والفصاحة والجزالة والزخرفة والتنميق، أي حين يكون الشعر رد اللحظة إلى أوليتها، الى مكانها في العصب والجسد ومكانها في الصراع ومكانها في الفكر، إنه الشاعر حين يكون الشعر موازياً للحياة، موازياً للدراما الإنسانية، موازياً للتأمل، موازياً للجسد.
حين أخرج أنسي الحاج كتابه الأول «لن»، كان بالتأكيد مذهلاً. لا بد أن القارئ العربي جفل أمام هذا الكتاب وغرق في الحيرة. لقد قرأ ما ينافي كل ما يعرف أنّه اللغة والأدب. لم يكن في هذه النصوص ما اعتُبر فصاحة وجزالة وسلاسة، أو حتى ما اعتُبر رقة وحناناً، وما اعتبر تغنياً وتسامياً. «لن» لم يكن مديحاً للغة وتهويلاً من شأنها. لم يكن تجميلاً أو زينة، لم يكن صنعة ولا تنميقاً، لم يكن ترجيعاً ولا تغنياً، وإذا خلا النص من كل ذلك، اعتبرت «عربيّته» مجروحةً، واعتُبر اعتداء على اللغة وزرايةً بها، واعتبر منافياً للجمال الأدبي والمثال الأدبي كيفما كان. لن نستعيد هنا الردود التي تلقاها «لن» في حينه، وما زال يتلقاها الى اليوم، لكننا نقف هنا عند مطالع التجربة «الأنسية»، ولم تكن هذه مطالع بسيطة أو تمهيدية أو متدرجة. كانت هجوماً عاصفاً وضع اللغة على المشرحة وعرّضها لتجريب قاس ومتنوع. في البدء، كان لا من تعرية اللغة من مؤثراتها الملازمة، تعريتها من فصاحتها ومن نظمها ومن أوتارها ومن عملها وبوارقها. بعد التعرية، كان الدور للتركيب، تركيبٌ قوامه البتر والقطع والقص والفك وتزويج للشتات وتكوين المفارقات والتركيب شبه التكعيبي شبه التعبيري للصور والفصول. لم يكن هذا عملاً عشوائياً كما خطر لكثيرين، لم يكن خلطاً ولا أي كلام، كان مختبراً حقيقياً وتجريباً عميقاً ومركزاً. كان «لن» بذلك ورشة تجريب خرجت بعشرات الاقتراحات التي اندرج بعضها في تراث القصيدة الحديثة، بينما كان البعض الآخر فوق احتمال اللغة وفوق احتمال الشعراء، فبقي جزء من تجارب «لن» معلقاً ولا أعرف إذا كانت الأيام المقبلة ستعيده الى الميدان.
بعد «لن»، كان «الرأس المقطوع» الذي اكتملت به موجة «لن». لكن أنسي الحاج ليس بالذي يكتفي بالاهتداء الى أسلوب. ليس صاحب القصيدة الواحدة ولا النظم الواحد. من كان مزاجه مزاج أنسي لا يملك أن يذعن لطريقة أو مرحلة انتهى إليها. لا يملك أن يتعبّد لأسلوب اكتشفه. لشعر الموازي للحياة هو مثلها نهر لا تمرُّ مياهه مرتين، مع «الرأس المقطوع» انتهى اختبار أنسي الأول، وبالتأكيد استخرج أنسي كل ما في نفسه منه، بالتأكيد انتهى لحنٌ واستُنفدت عُصارةٌ ووصلت الى ختامها. أنسي المجرّب الأكبر فرغ من تجربته الأولى وتوجب عليه أن يستولد تجربته الثانية.
«ماضي الأيام الآتية» من أَحب كتب أنسي إليّ، ومن أحب المجموعات الشعرية قاطبة إليّ، لا يبدو «ماضي الأيام الآتية» لأول وهلة خارجاً من مختبر «لن» و«الرأس المقطوع»، وقد يخطر لقارئ ما أنه مواجه لهذه التجربة وأنه قد يكون متحرراً منها.
يبدو لأول وهلة أن أنسي في «ماضي الأيام الآتية» ينقضُّ على نحو ما على تجربته في «لن». فتلك القساوة التي صاحبت «لن» ليست في «ماضي الأيام الآتية»، وذلك العنف اللغوي في «لن» ليس فيه أيضاً، لكن هذا لا يمنع أن يكون المختبر هو المختبر نفسه. «ماضي الأيام الآتية» هو نظير «لن» في استبعاد الفصاحة، بل هو بالدرجة الأولى ثمرة هذا الاستبعاد، لكن تعرية اللغة من المؤثرات البلاغية جعلتها في «ماضي الأيام الآتية» تعود تقريباً الى مادتها الأولى. يعود الكلام في هذه المجموعة الى براءته، الى نوع من الطفولية التي لا تغرق في التركيب ولا تستعبد المباشرة تماماً. «ماضي الأيام الآتية» لذلك أكثر من بيان شعري، وأكثر من مختبر، وأكثر من معرفة مع اللغة. إنه شحن للغة بمعان جديدة بعد تشذيبها من المتداول والمتواتر والبلاغي فيها. شحن بمعان جديد أو ردٌّ الى معان أولى، الى اللغة قبل أن تثقل بالبلاغة وبالفصاحة وبالأدب.
يمكننا أن نقول الكلام نفسه عن «ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة»، لكن هذه المجموعة هي في المسار الشعري لأنسي الحاج مرحلة أخرى من التجريب. إنها أيضاً خروج من تجربة الى تجربة. مرة ثانية، لا يركن أنسي الى أسلوب أو الى صيغة. يصعب بل يستحيل عليه أن يحوّل أسلوباً أو طريقة الى قالب. مرة أخرى، يكسر القالب قبل أن يتكون. في «ماذا فعلت بالذهب، ماذا صنعت بالوردة»، ينحاز أنسي الى الغناء، لكنه كمن هو الغناء الأول، كمن هو الغناء بعد تعرية اللغة من غنائها. غناءٌ غير مألوف للغة كأنها تباشره لأول مرة، كأنه غناء جديد. غناءٌ يستعيد وحياً أثرياً قديماً مولداً جديده تحت هذا الوحي.
كل مجموعة شعرية هي لغة جديدة، هي اختبار آخر، هي باب آخر للشعر وعالم خاص. هكذا تكون «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» و«الوليمة». بعدهما سكت أنسي الحاج. لقد فتح أبواباً وشقّ تجارب وبنى عوالم أكثر مما فعل أي شاعر آخر. لم يكن أنسي في يومٍ محترفاً. لقد غامر في الشعر وأطلق إشراقات فيه، وكانت كل مجموعة له مجازفة ومعركة وامتحاناً إضافياً للشعر واللغة. جزءٌ مما نقوله في الشعر هو من كلام أنسي نفسه في مقدمة «لن» وفي «خواتمه» التي تكمل شعره. إننا مدينون لأنسي في شعرنا بقدر ما نحن مدينون له في كلامنا على الشعر وتنظيرنا له.
* شاعر وكاتب لبناني