انتهت تجربة نتفليكس الأولى في اختراق سوق المسلسلات العربي من خلال الإنتاج المباشر، إلى فشل ذريع ثقافياً وتقنياً. ولم يزد مشروعها «جن» الذي أطلقته في 13 حزيران (يونيو) عن أن يكون مجرّد نسخة رديئة من مسلسلات المراهقين الأميركيّة القليلة الدسم وإن أُلبس لباساً أريد له أن يكون أردنياً. ومع ذلك، أثار العمل موجة جدلٍ حاد لم تنته، لا سيّما في الأردن بعدما نكأ جروحاً طبقية واجتماعية اضطرت إثرها السلطات إلى القيام بإجراءات دونكيشوتيّة سعياً للنأي بالنفس عن المشروع الذي كان قد حظي برعايةٍ ملكيّة.

ضمن استراتيجيتها التوسعيّة خارج السوق الأميركية المشبعة، اختارت نتفليكس منذ فترة أن تقتحم فضاءات لغوية وثقافية عبر العالم بقيت طويلاً منعزلة فنياً إلى حدّ كبير، تتلقى المنتجات الثقافيّة الأميركية بحكم الهيمنة، فتستهلكها كأعمال مستوردة، بينما ظلّت تزدرد بشراهة زائدة أعمالاً محليّة بلغات إقليميّة رغم بدائيتها أحياناً، بحكم أنها أقرب ثقافياً واجتماعياً لمزاجات المُتلقين. استراتيجيّة هذا الاقتحام كانت ذكية تجارياً بمجملها واعتمدت على شراء أعمال محليّة ناجحة ومن ثم منحها نافذة عالميّة عبر توفيرها للـ 150 مليون مشترك (600 مليون مشاهد على الأقل) بلغات عدّة. هكذا بدأنا نشاهد مثلاً أعمالاً ألمانيّة وإسبانيّة وإسرائيليّة وهنديّة تتبناها نتفليكس ربما بعد موسم أول محليّ ناجح، فتحولها إلى سلسلة مواسم متلاحقة تتوفر لجمهور برج بابل الأميركي هذا لكلّ بلغته المحليّة وفي الوقت نفسه.
الأردن، بوصفه واحة استقرار أمني أقلّه مقارنة بمحيطه الإقليمي الملتهب، بذل جهوداً استثنائيّة قادتها العائلة الحاكمة الملكيّة بنفسها لاستقطاب شركات الإنتاج الأميركيّة إلى البلاد بما يدره ذلك من فوائد اقتصاديّة سواء مباشرة للعائلة أو للاقتصاد الأردني الذي يمشي بفضل تفاهم القوى الفاعلة في الشرق الأوسط على تعويمه لا أكثر ولا أقل. وبالفعل، فإن شركات كبرى بدأت تضع الأردن على خارطة نشاطاتها رغم المنافسة الشديدة من المغرب (يعيبها صعوبة فهم لهجتها المحلية في المشرق) ودبيّ (ليس لديها ما تقدمه سوى عمارات الزجاج والصّحراء الممتدة) ومصر (رغم رخص كلفة الإنتاج تبقى بيئة غير صديقة للأعمال) ولبنان (تركّز للكفاءات الفنيّة رغم سوء البنية التحتيّة وهشاشة الاستقرار الأمني). لعل قرار نتفليكس بتنفيذ «جن» في الأردن وتصوير فيلم The Rise of Skywalker (خاتمة سلسلة «حرب النجوم») وغيرها كان بمثابة نجاح شخصي للملك الأردني وجهوده في هذا المجال. ولذلك سخرت موارد المملكة وأجهزتها بما فيها القوات المسلحة للسهر على حسن تنفيذها من دون أدنى عائق. وقد تمّ تقديم «جن» للصحافة المحليّة والعالميّة قبل إطلاقه للعامة على نتفليكس بأيّام خلال احتفال رسمي رعته العائلة الحاكمة الأردنيّة (ممثلة بالأميرة ريم بنت علي) وترقبه جمهور أردني عريض لا يكاد يصدق أن بلاده ستصل إلى العالميّة، وإن على جناح شركة أميركيّة.
لكن للأسف، فـ «جن» فور عرضه (5 حلقات) أصاب كثيرين بخيبة أمل. حكاية المسلسل ونصّه باهتان، ويبدو كأنه أقرب إلى مسرحية مدرسية ينفذها طلاب أردنيون في مدرسة محليّة غربي عمان لقصة مقتبسة من أحد مسلسلات المراهقين الأميركيّة المعروفة بتفاهة أغلبها، مع أداء ضعيف لفريق العمل في مجمله، تقنياً وفنياً حتى لو غفرنا للممثلين المبتدئين هفواتهم وقلة خبرتهم. لكنّ ما أثار الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن رداءة المسلسل تحديداً بقدر ما تسبب فيه من حساسية اجتماعية بين طبقتي المجتمع الأردني. بحكم عقود من سياسات التنفيع والإفقار وسيطرة الأجهزة الأمنية والانقسامات العرقيّة واحتضان الحركات الإسلاميّة، تحوّل هنا المجتمع إلى ما يشبه عالمين منفصلين يتعايشان من دون اختلاط حقيقي بينهما: عمان الغربيّة حيث العائلة الحاكمة والبرجوازية المحليّة والمستوردة من الدول المجاورة كما الأجانب في عالم متحرر مرفه يستوحي إلهامه في طرائق العيش من الغرب. يقابله بقيّة الأردن المسحوق سواء في شرقي العاصمة أو في مخيّمات الفلسطينيين أو في الأطراف حيث الفقر سيد الموقف بما يتبعه من ضغوط نفسيّة وتجهيل وصراعات على لقمة العيش تمنح المحافظة والبطريركيات الظلام الكافي لتعشعش وتتمدد. المسلسل يقدّم فانتازيا سطحية مسرح أحداثها بين العاصمة عمان وموقع البتراء النبطي التاريخي الهائل، وأبطالها فتيات وصبيان من مدرسة ثانوية أردنيّة. لكن جهل فريق العمل بأساسيات التحليل الطبقي دفعه ليقدّم هؤلاء الممثلون الشبان صورة حقيقيّة صادقة عن ثقافة وسلوكيّات وأجواء تحرر الطبقة البرجوازية المرفهة في مدارس النخبة في عمّان الغربيّة كما لغتها اليوميّة واهتماماتها وسذاجتها أيضاً. هذه الصورة صدمت الطرفين: غالبية الأردنيين من عالم ما بعد عمّان الغربيّة أصابهم نوع من الصدمة الثقافية لجرأة وبذاءة شبان وفتيات المقلب الآخر واعتبروا أنّهم «لا يشبهون أخلاقيّات وسلوك الأردنيين والأردنيّات» أي لا يشبهونهم. في المقابل، صُدم شبان الغربيّة لما اعتبروه تحجر عقول وانغلاقاً فكرياً ومحافظة مفتعلة من غرمائهم خارج عمان الغربيّة تجاه سلوكيّات طالما رأوها نسقاً مقبولاً اعتادوا عليه. لقد وجدت المملكة أخيراً «بريكست» خاصاً بها (على نسق بريكست البريطاني الذي قسم الأمة) لتنشغل به من دون إعلانها حرباً طبقيّة مفتوحة.

يخاطب «جنّ» شباب نخبة عمان الغربيّة


ولأن الجدل احتدم بين الطرفين – ولا يزال - لا سيّما بعدما تحولت أدوات التواصل الاجتماعي إلى أداة قريبة وخطرة يسهل توظيفها لاتخاذ المواقف الجذريّة تجاه الآخرين وإغراقهم بالتهم، وكاد «جن» أن يطلق شرارة وعي طبقي (سلبي)، فقد سارعت السلطات الرسميّة إلى محاولة التنصّل من المسؤولية والنأي بالنفس عن محتوى المسلسل عبر إطلاق أدواتها التقليديّة الدونكوشيتية الطابع: صدر قرار عاجل من المدّعي العام بمنع المسلسل من العرض، بينما هو على منصة عالمية يرعاها الأصدقاء الأميركيون ولا يمكن عملياً حجبها في وجود السفارة الأميركيّة النافذة في شؤون البلاد. وأطلق مفتي المملكة سلسلة شتائم بحقه من دون تحريمه، وصدرت بيانات تنصل وإدانة من الأجهزة ذاتها التي جعلت المسلسل ممكناً: سلطة إقليم البتراء وهيئة الإعلام الأردني والهيئة الملكيّة للأفلام. ويُعتقد أن مجلس النوّاب الموالي بكليته للسلطة، سيناقش قضيّته في جلسة علنيّة.
فنيّاً، فإن «جن» كان ـ قبل إطلاقه ـ مليئاً بالوعود. من المفترض أن يكون صورة إيجابية عن الأردن والشرق الأوسط الجديد، ونقلة محسوبة لفتح فضاء المسلسلات العربية التقليدية الغارقة في وحول المشاكل الذاتية والاجتماعية أو كليشيهات القوالب التاريخيّة التي لم تعد ترضي الأجيال الجديدة، على أنماط الأعمال الغربيّة الجديدة (مسلسلات المراهقين والغرائبيات والتحقيقات الجنائيّة...)، ناهيك عن استناده إلى رمزية الجن التاريخيّة من التراث الثقافي العربي القديم، كما توظيف مدينة البتراء المذهلة لمواقع للتصوير. لكن «جنّ» خيّب كلّ وعوده وارتضى لنفسه بأن يكون مجرد نسخة شاحبة رديئة من ميلودراميات المراهقين الأميركيّة التي تقوم على افتراض أن الوصول لهذه الفئة من المشاهدين يتم على أساس تقديم ممثلين صغار السن يعيشون أجواء توتر جنسي لحظيّ في إطار قصص من غرائبيّات لا عقلانيّة (مصاصو دماء، وظواهر خارقة للطبيعة، وزوار فضائيون وما إلى ذلك) من دون السماح بتطور الشخصيات نحو التعقيد كي لا يفقد الجمهور المستهدف المتسم بالضحالة، وفق ما يراه منتجو هذا النوع الفنيّ، القدرة على الإمساك بخط السّرد.
استيراد هذا النموذج الأميركي المسطّح كما هو أفقد «جنّ» القدرة على مخاطبة الشباب الأردني، طبعاً خارج مدارس نخبة عمان الغربيّة حيث تفوق رسوم بعضها السنويّة تكاليف الدراسة في «جامعة هارفرد». شباب يعاني من قائمة طويلة من التحديات الوجوديّة والاقتصادية والإنسانيّة، بل الوطنيّة الناتجة عن البنية الشديدة الطبقيّة للمجتمع، وليست لديه الرفاهيّة اللازمة للاكتفاء بأزمة التوتر الجنسي وتفتح الشهوات فقط. ورغم بداية جيّدة نوعاً ما للحلقة الأولى، لم تساعد القصة المهلهلة على تقديم ما يشغل الجمهور لاحقاً عن القبل المخطوفة، والإيحاءات الغرامية والتعابير الشوارعيّة الطابع، لا سيما على ألسنة الفتيات. تاه السرد متردّداً مملاً خلف علاقات الجنسين المفتعلة، قبل أن ينتهي كل شيء فجأة من دون تقديم حلول دراميّة مقنعة. بالطبع، هذا كلّه لا يُلام عليه الممثلون الشبان الأردنيون عديمو الخبرة بقدر ما يسجّل تجربة فاشلة لطاقم العمل من المكتب الإقليمي لـ «نتفليكس الشرق الأوسط»، إلى منتجي العمل الأخوين إلان وراجيف داساني، مروراً بالمخرج اللبناني مير جان أبي شعيا، والمتعاونين المحليين على كتابة السيناريو. وحتى لو افترضنا أن العمل سيشاهد من قبل جمهور معولم ليس لديه معرفة بأزقة الشأن المحلي الأردني، فإن خلطة الخدع البصرية الهزيلة والشخصيات المُصندقة وأداء الممثلين الضعيف ـ وبالذّات الشخصيات الثلاث المحوريّة سلمى ملحس (دور ميرا ميرا) وسلطان الخيل (ياسين)، وحمزة أبوعقاب (كيراس) ـ مع السيناريو المفكك والمرتبك جعلته عملاً استهلاكياً استشراقيّاً من النوع الذي يستعمل لمرّة واحدة ثم يلقى في سلّة المهملات. وقد فشل العمل فشلاً ذريعاً في الإفادة من سلاحيه الأهم: أساطير ميثولوجيا الجن العربيّة القديمة حيث قدمت مسطحة غير مفهومة ودائماً وفق النموذج الهوليوودي الذي أكل الدّهر عليه وشرب، أو موقع البتراء الاستثنائي الذي اكتفى طاقم العمل باستعمال الصور السياحيّة التقليديّة له من دون الغوص في إمكاناته البصريّة الهائلة.
مع ذلك، فلا بدّ من الإشادة بثلاث جزئيّات تتعلق بـ «جنّ». أولها تلك المحاولة الجنينية لتقديم نموذج جندري مختلف عن المرأة الأردنية والعربية تتولى فيه دور المبادرة والاستقلالية، لا سيما في دور ميرا (إنهاء وإطلاق العلاقات، نديّة المبادرة الجنسيّة، التمّرد على البطريركيات التقليدية...) لكن تلك المحاولة أجهضت ولم ترَ النّور نتيجة ضعف القصّة وتكلّس الشخصية كما افتعال البذاءة اللغوية، بغض النظر عن السياق الدراميّ للقصّة. وثانيها حماسة الممثلين الأردنيين الشبان لتقديم عمل عالميّ ـ التي قضى عليها فريق العمل ـ لكنّها واعدة بإمكان إطلاق ممارسة سينمائيّة وفنيّة أردنيّة حقيقية خارج قمقم مسلسلات البداوة المخصصة للتصدير نحو سوق الخليج ودراما التهريج، مساحة التنفيس الفنيّ المحدودة للمحتجزين في تجربة الكيان الأردني. وثالثها: اقتصار عدد حلقات «جن» على خمس ـ رغم خطورة أن يكون هناك لدى «نتفليكس الشرق الأوسط» تفكير بموسم تال ـ إذ لا يمكن تخيّل العواقب الممكنة لو أن هذا السيناريو ذاته قدّم في 10 أو 13 حلقة كما هو المعتاد.
بالطبع، هناك أعمال أخرى في جعبة الشركة الأميركيّة، سيطلق بعضها قريباً، وتستهدف استكمال بناء رأس جسر في سوق الاستهلاك العربي، وستفرض نفسها ـ مهما كانت رديئة فنياً أو ثقافياً ـ على أذواق المتلقين التوّاقين للخروج من أسر ظاهرة مسلسلات الدراما التقليديّة العربيّة القاتمة. ولذلك، فـ «جن» بهذا المقياس أساء مبكراً لحلم تحويل الأردن إلى قاعدة انطلاق فني غربي نحو العالم العربي ولطموح الشبّان الأردنيين بالوصول إلى العالميّة، وسيدفع المنتجين الأميركيين الأثرياء الراغبين بالانتفاع من مواقع التصوير الأردنية إلى اقتصار أدوار الممثلين المحليين على أدوار الكومبارس أو المخلوقات العجيبة التي ترتدي أقنعة تماماً كما يحدث في وادي رم الساحر (جنوب الأردن) على يد جيه جيه أبرامز وفريق فيلم «سكايوولكر».