تتسارعُ خفقات قلوب المشاركين في «المسير» صُعوداً نحو أَعلى التلّ. جنوبيّون بمعظمهم، ومعهم مواطنون من مناطق لبنانية أخرى. «يُعاندون الشمس»، على مـا تقول الأغنية المعروفة. على الطريق الترابيّة المُحاطة بـ«قشرة خضراء» كثيفة من أشجار السنديان والسرَّيس، يستعين هؤلاء، لتخفيف تعبهم، بجُرعات من الماء وبعض الزّاد والوَرد الموزَّع بين أشواك «إرمث». هناك على السّفح، تشير الكلمات المنقوشة على الصخر إلى تاريخ رحيل النقيب «الأُممي» بيتر مكارثي في العام 1988 الذي «مات في خدمة السلام». على الطريق ذاتها، تلقّى «الإسرائيلي» هزيمة مُجلجِلة في واحدة من أبرز مواجهات حرب تموز2006 مع المقاومة اللبنانية. يومها، في محيط هذه التلّة بالذات وفي بلدة شَمَع «دارت المواجهات من بيت إلى بيت. منها استمرّ المقاومون في إطلاق الصواريخ حتى آخر لحظة من الحرب. دمروا دبابة H-ZARIT وهي ناقلة جند دخلت الخدمة في الجيش الإسرائيلي في العام 1982. لم يخرج من جنود الناقلة الثمانية من «يُخبِّر»، على ما يذكر أحد ضبّاط المقاومة في حديث لصحيفة «السفير» عام2007. الآنَ هُنا: تلّة إِرمِث في شَمَع الجنوبيّة. عند أعلى نقطة فيها تنكشف الجغرافيا واسعةً أمام مرمى النّظر بكلّ ما فيها من غنى بالدلالات والمعاني. هذه مدينة صور وساحل القليلة- المنصوري من الشمال الغربي، وتلك الناقورة وعلما الشّعب من الجنوب وخلفهما فلسطين المحتلّة. من الشرق «الضيعة» (شمع) الرابضة على تلة مقابلة أيضاً، ومن الغرب «الأبيض المتوسّط» الذي يمُوج على صفيح «غازيٍّ» ساخن مشكّلاً أحد أبرز عناوين الإشتباك السياسي الراهن بين لبنان و"دولة الإحتلال الإسرائيلي". هُنا قريباً من التلّة، يقع مقرّ الكتيبة الإيطالية العاملة ضمن «اليونيفل»، وهناك ،في منطقة «البياضة» القريبة تقع ثكنة عسكرية للجيش اللبناني وعدد من المطاعم السياحية في المطلّة مباشرة على بحر أقلّ تلوّثاً.

على أحد الحجارة الرومانية الضاربة في التاريخ، يقف علي جابر (دليل سياحي من أبناء شمع) مرحّباً بالحضور، وقربه «مختار المخاتير» عصام محسن وبضعةُ رجال من أهل البلدة واكبوا مسير «الجنوبيُّون الخضر» للتعرُّف إلى بلدة شمع ومحيطها الحيوي. يشير جابر إلى الأهميّة التاريخية والحضارية لموقع «إرمث» الذي يحتوي على خليط من الآثارات الفينيقية والرومانية والصليبية وغيرها. «إسمها القديم هو إث، لكن الآراميين الذين سكنوا المنطقة سمّوها آرام إث وتحولت التسمية لاحقاً إلى إرمث». في المكان يُلحَظ وجود آبار طبيعية ومغاور ومدافن من فترات زمنية قديمة ومتعاقبة. «هذا بير الحَمَام» يشير أبو علي، وهو أحد ابناء البلدة، إلى أكبر الآبار القديمة في تلّة إرمث. «كانوا أهل الضيعة يعبّوا ماي من هون، وكان يتجمّع هون طيور حمام كتير،عَلّدّ هيك (لهذا السبب) سمُّوه بير الحمام». قريباً منه، تظهر «كَوْمَةٌ» من حجارة تعود لحقبة تاريخية قديمة. يتذكّر مُسِنٌّ من البلدة يوم كان يأتي صغيراً إلى هذا المكان. «كان في بيوت قديمة هوني، راحت كلها لمّا إجوا الإسرائيليّي». لَو قُدّر لقرى وبلدات الجنوب أن تكتب حكاياتها لكان لـ «شمع» الصغيرة نصيبٌ كبير منها وهي واحدة من أقدم بلدات «عامل». يقوم «إقتصاد» شمع المحلّي (تبعد عن بيروت106 كلم) على زراعة التبغ أُسوة بمعظم القرى الجنوبية الحدودية، لكنّ «العمود الفقري» الأساسي يتمثّل بأبنائها المهاجرين، ونسبةٌ كبيرة منهم في أميركا اللاتينية وأفريقيا. يشير مختار البلدة الوحيد إلى أنّ عدداً كبيراً من أبناء شمع الذين هاجروا قديماً إلى البرازيل لم يرجعوا إلى موطنهم الأصلي وصاروا في عداد «المتحدّرين». يُعقّب أحد المشاركين بالقول: «لشو بدهن يرجعوا، شو في بهالبلد؟». يقول آخر: «والله بلدنا حلو.. بس لو في دولة». الحديث عن «البلد» يقود للحديث عن فرص التنمية في الأرياف الجنوبية واللبنانية عموماً. لـ «نادي الذئب الرمادي» (مُنظّم الفعالية وهو أحد أذرع جمعية «الجنوبيون الخضر») تجربة لافتة ربطاً بهذا السياق، ويشكل مسير شمع محطّة من سلسلة بدأت في العام 2013 في وادي زبقين وياطر ورامية والريحان وبِسْري، إضافة إلى «درب الساحل الجنوبي». يُرجِع رئيس «الجنوبيون الخضر» هشام يونس هذا المسار إلى المبدأ الأساسي للجمعية «المستند إلى حماية إرثنا الطبيعي والثقافي لتحقيق التنمية المستدامة». يتحدث يونس لـ «الأخبار» عما يسمّيها «تجربة مختلفة في التعريف على الإرث الثقافي والطبيعي للمناطق اللبنانية والجنوبية». يقول: «هذا هو المدخل للتأسيس للتنمية المستدامة التي لا يمكن تحقيقها إلا إذا فهمنا وعرفنا طبيعة الموارد التي تمتلكها المجتمعات المحلية، وعلى أساسها تُوضَع الخطط والتصوّرات». يضيف يونس: «ما يحصل غالباً هو أننا نعيش بين هذه الموارد ولكن لا نلحظها كموارد يمكن الإفادة منها». يُتابع المشاركون مسيرهم من تلّة إرمث إلى القلعة و«المقام» في شمع. جاءت تسمية القرية أصلاً من مقام «شمعون الصفا» (تتقاطع الروايات التاريخية عند كونه أحد تلاميذ السيد المسيح مع الإختلاف في الإسم) الموجود هناك منذ القرن الأوّل الميلادي. تحوّل المقام إلى مَعلم سياحي ديني بارز في السنوات الأخيرة على مستوى قضاء صور وهو ما ينعكس إيجاباً على «الحالة الإقتصادية» في شمع ومحيطها. تُجَاوِرُ المقام قلعة شَمَع التاريخية التي بناها الصليبيّون عام 1116 أسوة بعدد آخر من القلاع والحصون في مناطق لبنانية مختلفة. لم يبقَ من القلعة، التي تجري فيها بعض أعمال الترميم بوتيرة بطيئة، سوى أجزاء غير مكتملة تشهد على عدوانية الإحتلال الإسرائيلي الذي عاد واستهدفها في عدوان تموز 2006. مسيرُ شَمَع كان من الطبيعي أن «يُتوَّج» بفطور «بلدي» أعدَّته عائلة حسين سرور (نائب رئيس البلدية) لضيوف البلدة. لن يكون جديداً القول إنَّ شَمَع، كما سائر بلدات منطقتها، تتميّز بطيبة أهلها. لكن إحدى المشاركات من بلدة طير حرفا تعلّق بالقول مُمازحةً: «َشَمَع تتميّز بوجود طير حرفا قربها».