في «ثانوية فخر الدين المعني الرسمية للبنات»، وفي آخر الرواق بعد نهاية الملعب، ثمة لافتة تشير إلى صاحب المكتب الذي تخافه التلميذات: «المدير». مكتوبة بخط أنيق، وتقود إلى مكتب كبير بالفعل ومجهز تجهيزاً جيداً. لكن المفاجأة أنه لا يوجد مدير، بل توجد مديرة. في هذه المقدمة سجالات كثيرة. أولاً، موقع الأمير في الوعي وترجمة هذا الوعي في تسمية المدرسة انطلاقاً من أهمية صاحب الاسم. ثانياً، صفته ونسبه القبلي إلى جانب الاسم المخصص لمدرسة يفترض أنها تجاوزت الحداثة. ثالثاً، المدرسة للبنات، وليست مختلطة، في قلب عاصمة تكاد تدّعي المتروبوليتانية، وأنها منارة للحريات. لكنّ أحداً لن ينتبه إلى غياب التاء المربوطة من اللافتة. السجال في التمييز الجندري لا يزال للأسف ثانوياً وغير حاضر، مقارنةً بالنقاشات الأخرى. كيف سيعترض أحد على الفصل الجندري، ثم على لافتة «مغمورة» في زاوية مجهولة، بينما لا يعترض على التمييز ضدّ المرأة في الحكومة نفسها؟


قوننة أشكال التمييز
بناءً على المرسوم الرقم 4339 تاريخ 31/1/2019 سمّي دولة الرئيس سعد الدين الحريري رئيساً لمجلس الوزراء، وبناءً على المرسوم الرقم 4340 تاريخ 31/1/2019 شكّل دولة الرئيس الحكومة. وهذه بيانات حكومية رسمية، على موقع رسمي، وهو موقع مجلس الوزراء اللبناني. وفي كما في مدرسة فخر الدين، تشير المراسيم إلى تعيين «وزير» للداخلية والبلديات، عن الوزيرة ريا الحسن، وينسحب إسقاط هويتها الجندرية عنها على كل زميلاتها الوزيرات. وإذا كانت الحكومة اللبنانية تريد مساواة «لغوية»، فوجب عليها أن لا تستخدم التسمية الشائعة (وهي حكماً ذكورية) للمرأة، بل أن تخترع مخارج جديدة. وهذا خارج الحسابات طبعاً. تخيّلوا أن نستخدم «وزيرة» لأحد الوزراء مثلاً الذكور. وهذا يلاقي النظرية النسوية التقليدية، التي تفترض انحياز عالم المعرفة لمصلحة الرجال، واستعمل مسبقاً افتراضات ذكورية في المسألة الجندرية. وبمعزل عن ارتكاز هذه التهم على التاريخ، إلا أن الحاضر ينجب أفكاراً وتصورات مشابهة دائماً. الوزيرة الحسن ليست المقصودة بالتمييز. ثلاث وزيرات أخريات أيضاً، ينظر إليهن من زاوية جندرية ــــ لا سياسية ــــ كمسكّن لما يشبه رأياً عاماً بدأ يتحدث عن المساواة.

كيلي ريمستين «فجوة جندرية ــ مطرقة» (حفر ضوئي ــ طباعة بالشاشة الحريرية ــ 57.2 × 55.9 سنتم ــ 2016)

مي شدياق: «وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية». فيوليت خير الله: «وزير دولة لشؤون التمكين الاقتصادي للنساء والشباب». ندى البستاني: «وزير الطاقة والمياه». والمسألة اللغوية ليست انعكاساً بديهياً لسيرة الهيمنة الذكورية وحسب. لأنها في موقع «رسمي»، يمكن أن تكون مؤشراً شديد الحساسية إلى طبيعة العلاقة بين النظام الطائفي حين يحاول أن «يتعلمن». في دراساته المخصصة في هذا الإطار، يشير جون والاش سكوت، إلى أن الطريقة التي تتمأسس فيها العلاقة بين القطاعات العامة والخاصة تكرّس اللامساواة الجندرية حتى في صميم النظام السياسي العلماني. وهكذا، توظف هذه اللامساواة في خدمة هرميّات أخرى، مثل: الدولة، العائلة، الدين، وغيره. من وجهة النظر هذه، الطائفية السياسية ليست مجرد أداة محايدة في إدارة التمييز الجندري وتعزيز الفوارق في هذا الإطار، بل إنها وسيلة متقدمة لإنشاء شكل مقونن من التمييز ضد النساء. وهذا منفصل تماماً عن القوانين التمييزية بحد ذاتها، وهي كثيرة، بل يقصد قوننة أشكال التمييز أيضاً.

الطبيعة الجندرية للنقاش
في محاولة أخرى لاستغلال التمييز، تداول اللبنانيون أخيراً خبراً عن تهديد أحد الوزراء للوزيرة ريا الحسن بالقول: «انتبهي ع حالك». في هذا المثال، استكمال للفكرة الأولى، عن استعمال اللغة كأداة لإثبات الهيمنة. ورغم أن رد الوزيرة كان حاسماً، إلا أن السذاجة الذكورية فاضت عن الواقع، بتناول الموضوع على وسائل التواصل الاجتماعي، عندما أعادت الموضوع إلى طابعه السياسي. معظم التعليقات التبسيطية، افترضت أن هذا النقاش هو نقاش «سياسي» بين فريقين مختلفين «سياسياً»، وسجّلت تعليقات ومواقف بائسة تنظر إلى الحادثة من داخلها، وتردد شعارات لتمويه ذكورة كامنة. فالحادثة «ذكورية»، لا سياسية. ولتحديد طبيعة «الامتياز الذكوري» في الدولة الليبرالية، ربما من المفيد العودة إلى أستاذة العلوم السياسية في بركلي، ويندي براون، التي لا تعتبر هذا الامتياز تاريخياً، وفي الوقت ذاته تنتبه إلى أنه ليس ناشئاً. إنه قادر على تطوير نفسه، كحالة مضادة للخطاب النسوي. إنه قادر على الاستثمار في أشكال متعددة من القوة داخل النظام السياسي، حيث كل شكل من هذه الأشكال يمكنه إنتاج تأثيرات مختلفة. وأحد هذه التأثيرات على الأرجح، هو استخدام المادة «السياسية» نفسها، لتغطية العنف الجندري.
لو صدرت تغريدات ديما الجمالي من نائب لما كانت ردة الفعل مشابهةً


هذا ما قد لا يحبه كثيرون، لكنه ينسحب أيضاً على ردات الفعل التي تصيب النائبة ديما الجمالي. في التغريدة الشهيرة التي حذفتها عن طرابلس، كان الكلام مألوفاً في سياقه اللبناني. طوائف متعايشة، مدينة رحبة، إلخ. وهذا الخطاب ليس مثالياً، لكن ردة الفعل تجاه الجمالي أقوى بكثير من ردات الفعل تجاه الآخرين، حتى من أشخاص يعتبرون أنفسهم «نسويين». بمعنى آخر، لو أن« نائباً» غرد التغريدة ذاتها، لما أخذت الحادثة ضجيجاً مشابهاً. وهذا متعلق بميكانيزمات الهيمنة الكامنة في المجتمع. في هذه الحالة، قد نستعير من بورديو نظرية الهيمنة على الهيمنة، وإن كان لا يسميها كذلك. لكنه يشرح كيف أن المرأة ليست وحدها التي ينظر إليها كضحية، وإنما الرجل أيضاً هو ضحية الهيمنة التي يمارسها على المرأة. ببساطة، الامتياز الذكوري الذي يتباهى به الرجل يقوم على حساب المرأة وضدّها، وبهذا المعنى يصير تكليفاً، يوجب عليه بذل الكثير للحفاظ على هذا الامتياز، الذي هو «رجولته»، التي قد يدافع عنها بذكورية علنية، أو متخفياً خلف شعارات يرددها.

الذكورية في الميدان الطائفي
بطبيعة الحال، لا يهدف هذا السرد إلى الإيحاء بأيّ طريقة بأن النساء في المواقع الرسمية يمثلن صورة نسوية مثالية. فالنقاش يدور حول الخطاب لا حول أشخاصه. حول سهولة استهداف المرأة قبل مضمون خطابها، على عكس التعامل مع الذكر. يمكن تبسيط هذه الفكرة إلى درجة في غاية الخفة: لو صدرت تغريدات ديما الجمالي من نائب، أو شرب نائب القهوة في رمضان بدلاً من رولا الطبش، لما كانت ردة الفعل مشابهةً. هناك أسباب لهذا التمييز، وهي قطعاً، ليست الحرص على صورة المرأة. فلو كان الأمر كذلك، لكان النقاش انحصر في هذه الزاوية، ولم يستفض في التلطي خلف السياسة لتخصيص صورة المرأة بالنقد لتحطيم صورتها كامرأة في المجال العام أولاً، وثانياً، لتكريس الهيمنة على حضورها الفيزيائي. هذا ما حدث في حالة النائبة الطبش تحديداً، حيث الاعتراض الأول كان على مشاركتها في قداس للمحبة والسلام في كنيسة مار الياس في أنطلياس، والثاني كان لشربها القهوة في رمضان. وهذا لم يحدث ــــ من باب الصدفة طبعاً ــــ مع رجال في المجال العام من قبل!
من أهم اشتغالات ميشال فوكو، تفكيك صورة المستشفى الرسمي أو العام للمجانين. فهذا ليس مؤسسة طبية. ما يعرفه الناس، أو ما هو في أول مراحل وعيهم، أن المستشفى العام هو مؤسسة طبية. لكن فوكو اكتشف طبيعته الحقيقية: بنية شبه قانونية أقرب إلى كيان إداري يمتلك سلطة معترفاً بها خارج المحكمة، ولديه صلاحيات واسعة في التقرير وإصدار الأحكام وتنفيذها أيضاً. وإذا استعرنا نظرية فوكو حول «الاعتقال العظيم» واستعملناها لتحديد هوية المؤسسات السلطوية الرسمية، مثل البرلمان والحكومة مثلاً، قد يصح عليها ما يصح على مستشفى المجانين. في ظاهرها، تبدو مؤسسات تشريعية وتنفيذية، لكنها في الواقع، إلى جانب سلطتها، تخضع لمعايير الوعي الجمعي بسلطتها، ويجب أن تكون صورة عن ذكورية المجتمع، حيث يحق للأخير التدخل وإصدار الأحكام، عندما يتعلق الأمر بمصالح الفئة المهيمنة ومشاعرها. قبل السياسة في ميدانها الطائفي وتبعاته، ربما يجب الانتباه جيداً إلى مرونة بالغة يحظى بها الخطاب الذكوري داخل دوامة الاستغلال العام.