لا يخفى على أي نسوية مناهضة للإمبريالية أن الليبرالية حاضرة دائماً، تماماً كما في الحقول الأخرى، لتغيير وجهة الخطاب المطروح والحد من راديكاليته، أو على الأقل، لقطع أوصال ارتباطه بنضالات شعوب المنطقة. «ينتصر المستعمر حين تتبنّى الشعوب المستعمَرة خطابه» تقول الأكاديمية الفلسطينية رباب عبد الهادي. هكذا تعرّف الهزيمة، وهكذا تدخل إلى الفكر النسوي، فلسطينيةً عنيدةً وناشطةً سياسية تعمل للعدالة الاجتماعية والفكر الاشتراكي، وتناضل في صفوف المؤسسة الأكاديمية الأميركية النخبوية ضد الصهيونية والليبرالية الجديدة. عبد الهادي التي تدرّس (الدراسات الإثنية ودراسة العِرق والمقاومة) في «جامعة سان فرانسيسكو» في الولايات المتحدة، تتعاون أيضاً مع «جامعة النجاح الوطنية» في نابلس منذ عام 2005. نظّمت العديد من الزيارات لوفود أكاديمية وغير أكاديمية من الولايات المتحدة إلى فلسطين، كانت من ضمنها المناضلة الشيوعية السوداء آنجيلا ديفيس، ونشطاء من الشعوب الأصلية و«الفهود السود» والحركة النقابية والمناضلون من أجل الحريات السياسية وإطلاق سراح الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال الصهيوني والإمبريالية الأميركية. في آذار (مارس) الماضي، شاركت عبد الهادي في مؤتمر «النساء بين الأبوية والاستعمار: المرأة بين الأبوية والاحتلال والاستعمار» الذي نظّمته «جامعة النجاح» في نابلس، حيث قدّمت الكلمة الرئيسية. في لقاء لنا معها في بيروت على هامش مؤتمر شاركت فيه، تحدثت عبد الهادي عن «الحراك النسوي القوي جداً في نابلس» الذي يناقش الصورة المهيمنة عن المدينة وأهلها ونسائها.


أعمل على كتاب بعنوان «مراجعة الروايات النقدية في دراسات المرأة الفلسطينية»


ما هو المؤتمر الذي شاركت فيه في نابلس؟ وكيف تصفين عملك مع «جامعة النجاح»؟
ـــ هو مؤتمر عالمي، نظّمه برنامج دراسات المرأة في «جامعة النجاح»، و«الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية». وقد شاركت فيه بالكلمة الرئيسية. مقارنةً بـ «جامعة بيرزيت» التي أسست أوّل برنامج لدراسات المرأة في المنطقة، فإن برنامج دراسات المرأة في «جامعة النجاح» هو حسب معرفتي الأخير الذي تأسّس حتى الآن من بين الجامعات الفلسطينية. ومن الجدير بالذكر أن «جامعة النجاح الوطنية» من أقوى الجامعات الفلسطينية، أسّست مستشفى وكلية طب وبدأت ببرنامج الدكتوراه على شاكلة «بيرزيت». في عام ٢٠١٤، عملتُ مع زميلتي في البرنامج الأكاديمي لدراسات الجاليات العربية والمسلمة في المهجر، ميرا النابلسي، وهي خريجة «جامعة النجاح» ووضعنا اتفاقية تعاون بين «جامعة النجاح» و«جامعة سان فرانسيسكو». ويجدر بنا القول إن هذه هي الاتفاقية الوحيدة بين سان فرانسيسكو وجامعة عربية أو إسلامية.
اليوم، يشنّ الصهاينة حملة شعواء تحاول تشويه سمعة الجامعات الفلسطينية كلّها من ضمنها «النجاح». يصفونها بالجامعات الإرهابية، ويحاربونني ويحاربون برنامجنا، ويتهموننا زوراً بأننا نحاول تدريب الطلاّب ليصبحوا «إرهابيين». هذه الهجمة ذكورية أيضاً، إذ يقوم دانييل بايبس، مثلاً، عبر مؤسّسته العنصرية «كامبس واتش» (مراقبة الحرم الجامعي)، بنشر صور الطلاب الشباب، لا الطالبات في «جامعة النجاح»، مع أن عدد الطالبات فيها يتعدى 64%، كي يبدو كأن الجامعة لا تعلّم إلّا الرجال. يقع ذلك في إطار تصعيد الحملة الاستشراقية والإسلاموفوبيّة التي تستند إلى إلغاء دور النساء وتصوير الرجال العرب والمسلمين كأنهم يتمتعون بالاستثنائية في الذكورية والعداء ضد النساء.

عمَّ تحدّثت في كلمتك خلال مؤتمر نابلس؟
ــ تمحورت كلمتي في المؤتمر حول العلاقة ما بين الوطني والنسوي، قضية العام والخاص، دور النساء ومكان وجودهنّ في عملية التحرّر الوطني وقضايا التأريخ، ومفهوم الأمومة والأبوة الفلسطينية، حيث نُصوَّر في الدعاية الصهيونية والاستعمارية كأننا شعبٌ يفتقر إلى «فيتامين» الأمومة، فيما يصوّرون المجتمع الإسرائيلي كأنه مثال على الإنسانية والعاطفة. هم يحاولون وسم المجتمع الفلسطيني بالتخلّف والتمييز ضد النساء وكرههن، كما اتّهامه بأنّه يعاني من رهاب المثلية، فيما يلغي الفكر والممارسة الاستعماريين ـــ من خلال الحركة الصهيونية الاستعمارية، وهي حركة استيطانية توسعية عنصرية إحلالية ـــ الشعب الموجود بشكل كامل. كنسوية، أرى أن تحرّر النساء لا ينفصل عن النضال الوطني. اليوم، يجري تقبّل الفكر الاستعماري واستخدامه من قبل المستعمَر: يستند الاستعمار إلى المستعمَرين ليتقبّلوا إنتاج الفكر الاستعماري ويعيدوا إنتاجه بأنفسهم، وهو ما يوضحه مفهوم الهيمنة عند غرامشي.
في المقابل، ركّزت في بحثي، وكذلك في كلمتي، على قضايا المقاومة والتحرير والتحرّر في السردية والرواية، للإجابة عن أسئلة مثل: كيف نسرد وكيف نتحدث عن القضية؟ أي كيف نسرد رواية المقاومة والصمود والتحرّر مقابل الفكر الاستعماري الذي يهدف إلى تعزيز رواية الاستسلام والانهزام وإرادة الاستعمار؟

ماذا ناقش المؤتمر وكيف رأيت من خلاله الحراك السياسي في الداخل الفلسطيني؟
ـــ من أهم مواضيع المؤتمر كان مثلاً ما قدّمه باحث حول العنف المعتمد على الجندر في الأراضي المحتلة وكيف يرتبط العنف الاستعماري بالعنف المجتمعي. كذلك، تكلّمت باحثة عن واقع الفلسطينيات اللواتي يعملن في المستعمرات كفلسطينيات وكنساء. وركّزت إحدى الندوات على ضرورة وجود بدائل لتوفير لقمة العيش كي لا يضطررن إلى العمل في المستعمرات. وتحدّثت عضو في المجلس الوطني وقيادية في فتح، عن المرأة اللاجئة ومعنى اللجوء. ذلك بالإضافة إلى نقاشات عن الإسلاموفويبا والعنف، وركّزت ندوة متكاملة على تهويد القدس والمقاومة الفلسطينية، وتناولت إحدى الأوراق إنجاب زوجات الأسرى عبر النطف المهربة.
تراجع موقع النساء في المجتمع والسياسة في فلسطين، بدءاً من اتفاقية أوسلو لأنهن كنّ ضد الاتفاقية ولا يعنيهن هذا الإطار الاستعماري


بالنسبة إليّ، كان المؤتمر أحد المؤشرات على انخراط النساء الفلسطينيات في العمل السياسي كما نشاط الحياة السياسية في نابلس. كانت قاعة المؤتمر دوماً ملأى بالحضور المتنوّع من مختلف الأعمار، من المدن والقرى والمخيمات، نساءً ورجالاً، بالإضافة إلى عدد كبير من الحاضرين الذين لم يجدوا كراسي خالية، فوقفوا يشاركون في النقاشات.
أنا ابنة نابلس، وأذكر احتلال الـ 1967، وانخراط الناس سياسياً يظهر كأنه عفوي، مع أنّنا نعلم بأن عملية التعبئة والتنظيم ليست بالأمر السهل أو العفوي، بل تحتاج إلى استمرارية ورؤية بعيدة المدى. لقد نشأتُ على مفاهيم المقاطعة والمقاومة كمفاهيم يومية. أمي مثلاً، كما النساء اللواتي ناضلن معها، كنّ «حنبليّات» في مقاطعة البضائع الإسرائيلية، بحيث كان ممنوعاً بشكل قاطع شراء حتى العصير أو الحلويات «من عندهم». بمعنى أن المقاطعة هي الحالة الطبيعية، فيصبح رفض التطبيع جزءاً من حياتك اليومية، لأن العلاقة الوحيدة التي تربط المستعمِر والمستعمَر علاقات قوة تغيب فيها المساواة.
في الواقع، أستغرب سؤال بعض الأميركيين لي عن شعوري بالخوف حين يعلمون أنني أذهب إلى فلسطين. أنا «بتروحن في فلسطين»، بصراحة أشعر بأمان أكثر من أميركا. والناس في فلسطين ــ على الأقل من أتعامل معهم ــ منخرطون في العمل السياسي، في العمل الوطني والمجتمعي. وأشعر بأن الفكر هناك حيوي وديناميكي. هناك حركة مقاطعة ذات قاعدة شعبية واسعة، وهناك إسناد عميق الجذور مع الأسرى والأسيرات، وهناك تضامن اجتماعي مع أن الاحتلال الصهيوني يحاول تفكيكه حتى يسيطر على الشعب الفلسطيني. الحركة السياسية في نابلس لا تكلّ، خاصة على مستوى نضالات النساء والمقاطعة، ودعمهنّ للأسرى والمشاركة في جنازات الشهداء «حتى لو مش أولادهنّ». هو مجتمع حيّ وديناميكي ومنخرط كل يوم بمقاومة الظلم المفروض عليه.

ماذا عن الحركة النسوية في فلسطين وفي نابلس بالذات؟
ــ النساء لهن دور عام قوي جداً. «همّي اللي انخرطوا في حركة المقاطعة حتى قبل انطلاق حركة المقاطعة الحديثة الرسمية عام 2005». اهتمامي بالحركة النسوية في نابلس ينبع من كوني نسوية ناشطة، وكذلك باحثة في هذا الموضوع. أمي ــ رحمها الله ــ كانت من الناشطات في العمل الاجتماعي في نابلس، الذي كان يستند تاريخياً إلى مقاومة الاحتلال، ولو أن هنالك جدلاً في قراءة تاريخ النساء الفلسطينيات، بالذات حول دور «الجمعيات الخيرية» في العمل الوطني وتجذير الرؤية النسوية. على العموم، عندما أجريت أول بحث ميداني في عام ١٩٩٢ عن النساء الفلسطينيات، طلبت من أمي أن تعرّفني إلى زميلاتها، فقامت بالاتصالات وساعدتني كثيراً. أقول هذا لأنه في تلك الفترة كان هناك تخوّف من الاعتقالات، ولم يكن كافياً مجرد كوني نابلسية، لتقبل النساء مقابلتي. بالإضافة إلى ذلك، كانت بنات مدرستي أكثر من ساعدني، كما عدد من الناشطات والأكاديميات في نابلس ورام الله وغزة والأراضي المحتلة والشتات.
وكانت النتيجة أن المقابلات التي أجريتها ضمّت مجموعة كبيرة من النساء من خلفيات مختلفة، من الفصائل الوطنية من داخل منظمة التحرير وخارجها، من «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية»، ماركسيات، إسلاميات، من «المجلس النسوي الأعلى» والجمعيات الخيرية والمنظّمات غير الحكومية، وطالبات جامعيات ناشطات، ونساء تحت الاحتلال يعملن سراً، وأسيرات سابقات. تختلف هذه المجموعات من النساء إذاً، على أشياء كثيرة، لكنّهن استطعن أن يتقدّمن بالتحرّر النسوي إلى الأمام، لأنهن جزء لا يتجزأ من المجتمع النابلسي. يستخدم تنميط يقوم على فكرة أن «نساء نابلس قويات» كنكتة. في الحقيقة، «ما بيسترجي حدا يقاطعهن أو يسكّت واحدة من نابلس»، لكن هذا نتيجة أنهن ناشطات سياسياً يدافعن عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقوقهن في آن واحد. هذه ليست خصوصية لنساء نابلس فقط، لكن هذه تجربتي في عملي مع النساء، ولأني بنت نابلس وأعرفها بشكل حميم أكثر.
والجدير بالذكر أن الأسلوب الذي تضامنت من خلاله نساء نابلس معي عكس مدى نشاطهنّ والتزامهنّ، لكون إحدى الحملات التي يشنّها الصهاينة ضدي في الولايات المتحدة تستند إلى مشاركتي في حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لـ «إسرائيل». «وين ما كان في فلسطين فيه حركة نسوية». في الحقيقة، تراجع موقع النساء في المجتمع والسياسة في فلسطين، بدءاً من اتفاقية أوسلو، التي كانت حتى على مستوى المشاركة في مفاوضات الاتفاقية، مقتصرة على نقاشات بين الرجال. وهذا أمر غير مستغرب، لأن النساء المناضلات كن ضد أوسلو ولا يعنيهن هذا الإطار الاستعماري، و«حتى حنان عشراوي ما كان إلها دور في أوسلو». عندما نتكلّم عن تهميش دور النساء والنقابات والطبقة العاملة عامّة وعدد كبير من المجموعات خلال أوسلو، ذلك لأن أوسلو استعمارية «وبدها تكرّس الظلم».
يجب أن نعي أن الظلم ضد الشعب الفلسطيني هو أيضاً ظلم ضد النساء. «اللي بيقول إنه النضال النسوي الوطني ضد الاستعمار انتهى وصار فيه نسوية بس ليبرالية، بيكون غلطان. اللي عم يصير بفلسطين عكس هيك تماماً». المقاومة ما زالت موجودة في أصغر تفاصيل الحياة الفلسطينية، وبالذات في حياة النساء الفلسطينيات. «هذا الشي موجود بس لازم يكون بدنا نشوفه، واللي ما بده يشوفه بكون عم يعكس خطاب استعماري أعمى عن رؤية المقاومات في التفاصيل». وهذا الخطاب بالذات له رسالة تهدف إلى إعادة إنتاج خطاب المستعمِر عندنا كشعوب مستعمَرة، لجعلنا منهزمات ومنهزمين. هو خطاب الخضوع بامتياز، «مشان الناس ما تضل تقاوم».

أخبرينا عن أشكال المقاومة غير المرئية التي تمارسها النساء
ـ مثلاً «بتكوني عم تتحدثي مع النساء، بيحكوا عن واقعهن، بينتقل الحديث عن الأسيرات. لأنّ موضوع الأسر أساسي عندهن، عشان بيربطوا الاستعمار بالجندر/ النوع الاجتماعي». وهذا يدلّنا على أن الجزء الأكبر من المعاناة خفيّ، لا تستطيعين معرفته إلا إذا كنت أسيرة أو من المدافعات/ ين عنهن. مثلاً، تتعلّمين شيئاً فشيئاً كيف يعملون على إذلالهن في المعتقلات، وأحد أشكال هذا الإذلال عدم إعطائهن فوطاً صحية. وكي يزيدوا من تعذيبهنّ، يرسلونهنّ إلى المحكمة في موعد دورتهن الشهرية. وما يحصل أنهن يجبرن على إمضاء وقت طويل في باص المحكمة العسكرية ذي المقاعد الحديدية غير المغطاة بإسفنج، فيصلن إلى المحكمة والدم على ثيابهن. وقد قالت لي مناضلة قيادية في «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية» إن «الأسيرات بيكرهوا يروحوا عالمحكمة»، لأنها أحد أشكال التعذيب لهنّ ولأهاليهن الذين يضطرون أيضاً إلى توقيف أشغالهم ودفع النفقات الكبيرة خلال المحاكم.

يحارب الصهاينة برنامجنا في «جامعة سان فرانسيسكو»، ويتهموننا زوراً بأننا نحاول تدريب الطلّاب ليصبحوا «إرهابيين»


أحد أشكال المقاومة أيضاً، هي أساليب مقاومة «الإسقاط». والإسقاط هو عملية ابتزاز، تقوم بها سلطات الاحتلال عبر تهديد النساء والرجال (بتنوّع هوياتهم الجنسية، بمن فيهم المثليون والمثليات) بصور عارية لهم، أخِذَت من غرف تبديل الملابس في المحلات أو من علاقات لهن/ م أو بعد تخديرهن/ م، لإجبارهم على أن يصبحوا عملاء للاحتلال. وخلال حديثي مع مجموعة من النساء، تحدّثنا عن أساليب أنتجنها لمقاومة تلك العملية: «ما تشربي آرسي أو بيبسي إلّا إذا كانت مسكّرة - حتى ما يحطوا فيهم منوّمات - حتى لو ببيت أخوك». واقترحت أخرى: «أو قولي إنك صايمة، ما حدا رح يسألك ليش صايمة وأيمتا كان عندك الدورة الشهرية».
من جهة أخرى، فاختلافات الفصائل لا تنتج اختلافات بين النساء بالضرورة. وقصة عطاف عليّان (الجهاد الإسلامي) ورلى أبو دحو (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، اللتين أطلق سراحهما عام 1997 من سجن تلمند، مثال على ذلك. من خلال صفقة أوسلو، كان يفترض أن يطلق سراح 23 أسيرة. يومها قرّر الاحتلال إطلاق سراح كل أسيرة في فترة مختلفة عن الأخرى، لكنّهن أصررن على أن يطلق سراحهن كلهن مع بعض. «حتى الناس اللي عم يعملوا مفاوضات ما كانوا يقدروا يقنعوهن». وسألت عطاف ورلى في مقابلة معهما في جامعة بيت لحم، فأخبرتاني كيف نظّمن أنفسهن داخل السجن، وكيف كنّ «يشنكلن» أنفسهن، لتكون الأقوى في الأمام، والأضعف في الخلف، فلا يستطيع السجّانون تفريقهنّ أو جرّهن، وكيف كنّ يجمعن الطعام للواتي يحتجنه. فسألتهما: «كيف بتشتغلوا مع بعض؟ وحدة بتصلي ولابسة نقاب ووحدة ماركسية؟» فأخبرتاني كيف كنّ يقسمن الأدوار كي تحمي كل مجموعة المجموعة الأخرى: «لما النساء كان بدهم يصلوا، هوديك يعملوا عجقة وهوشة مشان يقدروا يصلوا، ولما التانيات بدهن يعملوا اجتماع، نفس الشي». والمقابلات التي أجريتها مع كل هذه المجموعات المتنوعة ستكون في الكتاب الذي أعمل عليه، بعنوان «مراجعة الروايات النقدية في دراسات المرأة الفلسطينية».
نحن إذاً بحاجة للكلام عن الأَسر واللجوء من منظار جندري، كبناء اجتماعي، لا كطبيعة. مثلاً، قضية لينا الجربوني التي تسمّى عميدة الأسيرات الفلسطينيات، وقد أَفرِج عنها بعد 15 سنة في السجن بعد إضراب الأسرى عام 2017، عندما نُقِلت الرواية باللغة الإنكليزية في الإعلام، اختفت لينا. وهي فلسطينية من الأراضي المحتلّة عام ٤٨، وقصتها مميزة جداً، قصّتها تتحدّى كل الأنماط التي تفرض على المرأة الفلسطينية: هي مستضعفة، إسلامية ومش ماركسية و«تقدمية» كما يسمّونها، لكنها امرأة نسوية، تتحدى كل الأنماط المفروضة على النساء الفلسطينيات.

كيف ترين فلسطين في الأكاديميا اليوم؟
ـ يتردّد سؤال: «ليش النساء مش كتير ناشطات ومش كتير فيه أسيرات أو شهيدات؟». تذكرين كيف كنّا أنا وأنت والدكتورة آيلين كتّاباً في بيروت نناقش هذا الموضوع، فقالت، نصف مازحة: «عشان نحن أشطر، ما مننحبس». لكن مع احترامنا للأسرى والشهداء الذين نحملهم فوق رؤوسنا، هل المقياس الوحيد للنضال هو الأسر والاستشهاد؟ بين من يتحدى الأَسر والحجز، ويمرّون على الحواجز كل يوم، يتحدّون الاحتلال بهذه الأشكال المختلفة من الصمود اليومي، النساء اللواتي يحملن صور أولادهن المعتقلين ويعتصمن، يأتي السؤال من منظار استعماري: «ليش عم تشاركي وكيف ما بتخافي؟»، بينما يكون السؤال الذي نطرحه نحن هو: «مين بيتمركز في أي بحث، ومين بيصير هامشي؟ كيف ننتج المعرفة وأين يعاد إنتاجها ومن يعيد الإنتاج؟». في الأكاديميا اليوم، السيادة للفكر الأميركي: ما يكتب بالعربية مثلاً لا يُعَدّ علماً. بالإضافة إلى ذلك، فالأزمة إبيستمولوجية: من ينتج المعرفة وكيف تنتج؟ أي ما الأسئلة التي تُطرَح لإنتاج المعرفة؟ وبهذا، تختلف الطريقة التي ندرس فيها «دور النساء» في المقاومة والنضال، أي تصبح حينها النساء في صلب الرواية. لدينا إذاً حاجة لإعادة قراءة الرواية، رواية النساء والتحرّر وفلسطين.
من خلال العملية النضالية، تحقّق النساء إنجازات نوعية. في مرحلة ما بعد أوسلو وعند تشكيل السلطة الفلسطينية، انحصر دور النساء وموقعهنّ. لكنّهن فرضن أنفسهن على الشارع. «هاي مش جميلة بيربحوها تبعول أوسلو. هاي أو منشوفها إنجازات أوسلو... أو إنجازات النساء الفلسطينيات»، بينما ثبّتت أوسلو قيَماً ظالمة، على مستوى حقوق العمال والنساء والأسرى، أوسلو في أحسن الأحوال، تركيبة استعمارية.



هجوم صهيوني في «سان فرانسيسكو»
تبدو الاتهامات بالعداء للسامية جاهزة دوماً لكلّ من ينتقد الكيان الصهيوني في الأكاديميا الأميركية. تعرّضت الدكتورة رباب عبد الهادي، بالإضافة إلى العديد من الأكاديميات والأكاديميين، لهجمات تشويه السمعة، وقد أدّت في معظم الأحيان إلى تهديد وظائفهم أو اضطرارهم للجوء إلى المحكمة. والهدف الأساسي لهذه الحملات ترهيب الأساتذة والطلاب سواسية من نتائج العمل السياسي المناهض للصهيونية. في حالة عبد الهادي، هوجمت مراراً في ظروف مختلفة، في محاولات واضحة لإيقافها عن بحثها وتدريسها للقضية الفلسطينية. كما يتّهم الطلاب في مجموعة طلابية صهيونية في الجامعة، عبد الهادي، بلقاء «إرهابيين» في بيروت، من ضمنهم المناضلة ليلى خالد. وقد بدأت إحدى أهم هذه الهجمات عام 2017، خلال القضية التي رفعتها مجموعةThe Lawfare Project التي تعرّف عن نفسها بـ «الذراع القانونية للمجتمع الداعم لـ «إسرائيل»». اتّهمت هذه المجموعة، «جامعة سان فرانسيسكو» حيث تدرّس عبد الهادي بانتهاك القسم السادس من قانون الحقوق المدنية (القاضي بالحماية ضد التمييز المبني على العرق واللون والنوع الاجتماعي والدين)، متذرّعة بأن الجامعة فشلت في حماية طلابها اليهود عبر السماح بوجود نشاط سياسي طلابي داعم لفلسطين. وقد فشلت هذه المجموعة في إثبات انتهاك القانون، فربحت عبد الهادي الدعوى. ومنع القاضي المجموعة من إعادة فتح الدعوى لعدم احتواء الملف المقدم من قبلها على «أي مادة ذات قيمة». وقد ردّت عبد الهادي على الهجمات هذه برفعها دعوى على إداريين في الجامعة، بتهمة التمييز ضدّها ومحاربتها لأنها فلسطينية.