لسوء الحظّ، اسمٌ واحدٌ لك في هذه المدينة لم يعدْ يكفي. أنت بحاجةٍ إلى اسمين كي تقف على رِجليك، كحاجتك لِعَلَمَين وعَمَلَين.

أنتَ بحاجةٍ إلى اسمين كي تجيب مَن في الخارجِ، يطرقُ البابَ ويسأل: «هل من أحدٍ هنا؟»، فيما أنت، بوزرتِك الحمراءِ المقلّمة، تضعُ النّاتشوز داخلَ الفرن: نعم، نعم، تفضَّلْ.
لن يلاحظَك باسمٍ واحد، هذا العالم. ستغنّي كثيراً تحت نافذته ولن يطلّ. ستتابعه عبر تويتر وتصلُه رسالةٌ منك ولن يكترث. ستلتقيه في الشّارع، ومثل مهرّج ستُلوّحُ بيديك، تشدّ أذنيك وتنفخُ بالوناً أمامه: «أنا هنا أنا هنا»، لكنّه سيواصلُ سيرَه. مهلًا، لنلتقط صورة فوريّة في آلةِ التّصوير هذه، ستراني حتمًا... أيّها العالم، أيّها العالم، تصرخ بلا فائدة، امنحْني فرصةً أخيرة أرجوك، ولا فائدة أيضاً.
أن يكون لكَ اسمٌ ثانٍ يعني أن تقضيَ يومَ الأحد على الشّاطئ مع كثيرٍ من الأصدقاء، فلا تضطرّ إلى تسخين المياه وتحميم القطّة في يوم عطلتك الوحيد بعدما فقدتَ الأملَ في إيجاد صاحبٍ واحدٍ يزيلُ وحشتَك.
أن يكون لك اسمٌ ثانٍ يعني أن تغيّرَ جلدَك، تخلعَ معطفَك وتنفضَ عنه أخطاءَك الستّة التي ندمْت عليها ولم تبارحْ مكانَها، على ظهرك، منذ لعبة الطّفولة تلك.
أن يكون لك اسمٌ ثانٍ يعني أن هناكَ اسماً يتلصّص عليك من ثقبِ بابِ الغرفة: كيف تعزّلُ الخيباتِ كلَّ ليلة، وتتدلّى الأحلامُ من الحبال، وتتجمّع كلُّ الوجوه التي وددْتَ أن تصيرَها يومًا، مجعّدةً، في بيوت العناكب.
أن يكون لك اسمٌ ثانٍ يعني أن تنجوَ من فعلتِك الأولى وتعيشَ حياةً ثانية تولدُ فيها شابّاً بلا ماضٍ سحيق: فلا صورَ تتأرجح بين مدّ وجزر، وأصواتَ تصعدُ السّلالم وتنزلها، وروائحَ تمدّ لسانَها تذهبُ وتعودُ لتنتقم.
حدثَ كلُّ شيء بسرعة. دخلَ الرّجلُ محلَّ الألبسة حيثُ البائعة تتناولُ فطورَها، وحين رمى السّلامَ ولم تردَّ له التحيّة حاولَ أن يتحسّس صوتَه. عن إذنِكِ. ثمّ خرجَ مُطقطِقاً أصابعَه، وحين لم تدْنُ منه طفلةُ المناديل التي ابتسم لها ملياً عادَ وتحسّس يدَيه وأنفَه. في تمام السّاعة التّاسعة صباحاً من ذاك الأيلول، كان الرّجلُ في المتنزّه يحمل إصبعَ غِراء ويبحث عن عينين ضائعتين. مذذاك والرّجلُ معروفٌ بالمدقّق كونان، الشّبحِ الذي يستأجِر عينَين ويسرفُ في استخدامِهما طوال النّهار، عينَين بلا جفون ودموع، تنظران فقط، كما لو كانتا في وجهِ سمكة أحبّت أن تتمدّدَ قليلاً.