ثماني سنوات مرت على ثورة يناير، أحد أكبر الأحداث التي شهدها العالم في القرن الحالي، والتي لا تزال مع آثارها موضع بحث وتشريح وتفكيك. الحلم المُجهض، إن جاز التعبير، استحال جرحاً غائراً في نفوس المصريين لا سيما الثوار وكل من آمن بإمكانية الوصول إلى غدٍ أفضل بعد عقود من العيش في ظل حكم ظالم وسياسات اقتصادية مجحفة. هذا الجرح سبّب به المآل التراجيدي الذي اتخذته الثورة بعد الأمل، ثم الأحداث التي تلت يونيو 2013 ووصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة. السيسي الذي يحكم منذ ذلك الحين مصر بقبضةٍ حديدية والذي رهن البلاد لصندوق النقد الدولي وتابع في إفقار الشعب الذي يعيش 32.5% منه تحت خط الفقر، بحسب دراسةٍ حكومية صدرت في نهاية تموز (يوليو الماضي)... كل ذلك، خطّه كتاب «شهداء ومخادعون: إثنوغرافيا للثورة المصرية» للمؤلف البريطاني المتخصص في الشؤون المصرية والتر آرمبراست. يرصد الكتاب الصادر عن «منشورات برينستون»، لحظة النشوة التي عاشتها مصر خلال 18 يوماً بين 25 يناير 2011 وسقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك والأحداث التي تخللت لحظات الأمل تلك والشهداء الذين سقطوا في الميادين خلال مواجهات مع قوات الأمن. يرى الكتاب أن الثورة المصرية بدأت بأمل عارم، لكنها هزمت خلال عامين ونصف العام، «إيذاناً ببدء حكم النظام الأكثر وحشيةً وفساداً في تاريخ مصر الحديث».

آرمبراست الذي صدر له قبل ذلك كتاب «الثقافة الشعبية والحداثة في مصر»، يقدّم بحثاً عن العبور من النشوة إلى اليأس، مستشكفاً الثورة ومآلاتها بعدسة «الحالة البينية» (liminality) المعتمدة في الدراسات الانثروبولوجية. في مسعاه إلى التركيز على الانتقال من لحظة بدا فيها كل شيء ممكناً إلى «برزخ مدمر بأبواب موصدة»، يمرّ كتاب آرمبراست على شهداء يناير، الشخصيات الإعلامية المخادعة، كما يسميها، المساحات العامة، السرديات المتواجهة، الإحالات التاريخية والصراعات الفئوية في ظلّ الفوضى التي عاشها المصريون. ويلقي «شهداء ومخادعون» الضوء على الإعلاميين المصريين الذي ملأوا الشاشات في تلك الفترة وما بعدها معبّدين الطريق لظهور السيسي، برأي الكاتب.
البهجة غير المسبوقة، الارتباك والمجزرة ثم كابوس الظلم والضيق، هي الخطوط العامة لكتاب آرمبراست المقيم في مصر وقد حاول خطّ سيرة ثقافية لثورة تراجيدية على طريق التأريخ لواحدة من اللحظات الفارقة في تاريخنا المعيش.