ضمن سلسلة المشاريع التي يعمل عليها «مترو المدينة» للبحث في تاريخ الموسيقى والاستعراض في المنطقة، انطلق عرض «فرانكو آراب» الذي يستعيد موجة أغنيات مزجت بين الشرقي والغربي، على مستوى الموسيقى والكلام، وظهرت في مصر ولبنان منذ بداية الستينيات، بحسب تعريف العرض. على المسرح تظهر الفرقة المؤلفة من سماح بو المنى، ضياء حمزة، نضال أبي سمرا، أحمد الخطيب وبهاء ضو، بأزياء سوداء مذهّبة تحيلنا على مشاهد من ستينيات القرن الماضي بمرحها وخفّتها، قبل أن تظهر ياسمينا فايد، المغنية الأساسية للعرض، بلباسٍ إكزوتيكي يشبه إلى حدّ بعيد الإيقاعات التي ظهرت في هذه الموجة، وهي إيقاعات مصدرها الأساسي أميركا الجنوبية وتحديداً كوبا.

يأخذنا العرض إلى وجه من وجوه الإنتاج الموسيقي في المنطقة العربية، لا سيما مصر ولبنان، هيمن عليه المرح والخفّة في الموسيقى والكلام، ما يعكس إلى حدٍّ ما واقعاً اجتماعياً وثقافياً شهدته القاهرة والاسكندرية وبيروت في الخمسينيات والستينيات.
«فطومة ماشية في الموسكي/ وانا كنت شارب الويسكي» (غناء: برونو موري، كلمات: سعيد المصري، ألحان: محمد فوزي). «ماكسيموم بترقّصني/ ماكسيموم بتلامسني/ بس حبك لأ» (صباح). «بتكنّ بكنّ/ بتجنّ بجنّ/ شو ما تعمل بعمل متلك/ عين بعين وسنّ بسنّ» (وداد، كلمات وألحان: سامي الصيداوي). عيّنة بسيطة من الكلمات التي تم غناؤها في تلك الفترة، على إيقاعات غربية وأخرى على إيقاعات شرقية بكلامٍ بالإنكليزية والفرنسية، ويمكن أن يُستشف منها مناخ تقدمي لعلاقات الحب والإغواء، وللعلاقة بين الرجل والمرأة، ما يعيد تأكيد فترة الانفتاح التي شهدتها هذه المدن قبل أن تقع ضحية التزمت بنسب متفاوتة.
يقول مخرج العرض، هشام جابر، إن هذا النوع من الموسيقى ظهر واختفى بسرعة، ولعلّ ظهوره مرتبط بتوجه هيمن على الإنتاج الموسيقي في حينه. تأثر هذا النمط بطغيان تيارات موسيقية في العالم في تلك الفترات مثل إيقاعات التشا تشا والمامبو وقبلهما الرومبا وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، يرى جابر أن مناخاً اجتماعياً واقتصادياً عرفته الستينيات، جعلت السوق يتطلب هذا النوع من الـShowbiz، فالستينيات تُعدّ ذروة ميل سكّان المدن العربية إلى نمط الحياة الأوروبي الذي ترافق مع طفرة اقتصادية في بعض العواصم. كما أنّ وجود الأوروبيين في الحياة الفنية المصرية، لا سيما في السينما، حيث كان هناك مخرجون كثر إيطاليون على سبيل المثال، أسهم في هذا المزج الذي نال شعبيةً كبيرة. ولا شكّ في أن مفاهيم ثقافية غذّت هذه الموجة، مثل فكرة انفتاح الشرق على الغرب والعكس، لا سيما أنه في تلك الفترة عرفت السينما أوجها، بالإضافة إلى كون أجهزة التلفزيون أصبحت في متناول الجمهور العربي الذي بات لديه باب أساسي على العالم. كذلك إن دخول الآلات الغربية على الموسيقى العربية مهّد لتجارب المزج الصريح بين الشرقي والغربي. وبرأي جابر، إن اختفاء هذه الموجة من العالم العربي مرتبط بنهاية هذا النوع من الإنتاج في السينما المصرية، بعدما كان السوق يطلبه، بالإضافة إلى تغير شكل الأغنية العربية أيضاً.

الفرانكو آراب برز في شارع عماد الدين الذي ضمّ كازينوهات ذاع صيتها في بدايات القرن العشرين


من جهة أخرى، يحلو للبعض أن يرى في هذه الموجة من الإنتاج الموسيقي تأكيداً على «هوية متوسطية» للمدن الثلاث التي شهدتها بشكل أساسي. أو بمعنى آخر تأثر الفنون فيها بما خلف البحر وبوضعها كمدن تنظر أيضاً نحو أوروبا وليس فقط إلى جوارها وتراثها الموسيقي. لعلّ أغنية محمد فوزي «فاطمة وماريكا وراشيل» في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه، تصلح رمزاً للحالة الاجتماعية والثقافية آنذاك. في مصر «تلك» حيث كان المقيمون الأجانب منذ عهد محمد علي حتى ثورة يوليو يشكلون عنصراً أساسياً في الهوية (بلغ عدد الأجانب في مصر 1.5 مليون في ثلاثينيات القرن الماضي، بعدما كان 90 ألفاً في أربعينيات القرن التاسع عشر)، على الرغم من المشاعر المصرية غير المستقرة تجاههم، لا سيما بعد ثورة 1919 وبروز الحركة القومية المصرية وتنامي المشاعر المناهضة للأجانب، الملحقة أساساً بمعاداة الاستعمار الإنكليزي. من هنا يُرجع البعض ظهور نوع الفرانكو آراب بشكله الأولي إلى بروز شارع عماد الدين في وسط القاهرة، الذي ضمّ كازينوهات ومسارح ذاع صيتها في بدايات القرن العشرين. قبل تبلور المسرح الدرامي، انتشر في الشارع الشهير «التياترات»، كما سمّوها، التي كانت أشبه بالكباريهات التي نراها في الأفلام المصرية القديمة وتقدم وصلات غنائية واسكتشات مسرحية خفيفة كانت في أحيانٍ كثيرة بلغة هجينة مكونة من العربية والفرنسية والإنكليزية واليونانية أيضاً. كان ذلك مرتبطاً بشكلٍ مباشر بالسكان الأوروبيين (إلى جانب الشوام) المقيمين في مصر وبدورهم الأساسي فيها، لا سيما في الحياة الثقافية والفنية.
لكن الظهور الفعلي لموجة الفرانكو آراب الذي يعمل عرض «مترو المدينة» عليها، حصل في الخمسينيات والستينيات مع ازدهار السينما والأفلام الغنائية. المفارقة أن ازدهار هذا النوع من الإنتاج الموسيقي تزامن مع ما يمكن تسميته بـ«الوداع الأخير» للجاليات الأجنبية التي سكنت مصر ولعبت دوراً في نهضتها. يونانيون وإيطاليون وأرمن، إلى جانب المصريين اليهود الذين هاجروا وهُجّروا على موجات منذ حدوث النكبة، ما مثل نهايةً لحقبة كانت فيها القاهرة والاسكندرية مدينتين كوزموبوليتين إلى حد بعيد. فموجات رحيل الأجانب عرفت ذروتها مع التأميم في مطلع الستينيات، إذ إن الدولة أممت مصالح خاصة أجنبية أيضاً كانت تعمل على الأراضي المصرية.
عرض «فرانكو آراب» الذي ينجح في نقل مناخ البهجة الذي هيمن على هذا النوع من الإنتاج، إلى خشبة المسرح البيروتي، يلقي الضوء على فنانين ارتبطت أسماؤهم بهذه الموجة، وفي طليعتهم بوب عزام، كريم شكري (جون زلعوم)، برونو موري (شقيق داليدا). عزام ذو الأصل اللبناني اشتهر بأغنيتي «يا مصطفى» وC’est écrit dans le ciel المدرجتين ضمن العرض. في صدارة الموجة يبقى محمد فوزي الذي قدّم ضمنها ألحاناً فارقة، أشهرها «يا مصطفى» (كلمات سعيد المصري) التي غناها موري أيضاً إلى جانب عزام، ولا تزال تردد على نطاق واسع منذ عام 1964 حتى يومنا هذا، بالإضافة إلى «فطومة» التي غناها موري في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه (بطولة هند رستم)، وأغنيات لفرقة «ثلاثي أضواء المسرح»، صباح وغيرهما. أما إدراج أغنيات لبنانية لسامي الصيداوي تحديداً، من غناء وداد ورندا، فقد جاء على اعتبار أن هذا النمط مهّد موسيقياً للموجة اللاحقة، أكان على مستوى اللحن أو التوزيع واختيار الآلات.

«فرانكو آراب»: اليوم الخميس و 29 آب ــــ 21:30 ــــ «مترو المدينة» (الحمرا ــــ بيروت). للاستعلام: 76/309363