في حادثة جديدة تؤشر إلى تعسّف «الصوابية السياسية» أو اللغة اللائقة سياساً (Political correctness) في أحيانٍ كثيرة، إنشغل الإعلام والأكاديميا في الولايات المتحدة بالتحقيق مع الشاعرة والأكاديمية لوري شيك، لاستخدامها كلمة «زنجي» في إحدى حصصها في جامعة «ذي نيو سكول» في نيويورك. إلا أن شيك قالت هذه الكلمة في معرض اقتباسها جملةٍ للكاتب والناشط الأميركي الراحل جايمس بالدوين (1924 ــ1987)، ما يجعل فتح تحقيق معها أمراً مستغرباً واعتباطياً إلى حدّ بعيد.

وخلال صفٍّ تعطيه لطلاب الدراسات العليا عن «المساءلة الراديكالية» في الكتابة، قدّمت شيك لهم مقالاً لبالدوين يعود إلى علم 1962. وخلال الحديث عن بالدوين الذي ناضل ضد العنصرية ومن أجل الحقوق المدنية، أشارت شيك إلى وثائقي عن بالدوين يعود إلى 2016 بعنوان «I am not your negro» (أنا لست زنجيك)، وطلبت من الطلاب أن يناقشوا سبب تغيير عنوان الوثائقي لجملة بالدوين الأصلية وهي I am not your nigger، حيث كان بالدوين قد قال هذا التصريح في لقاء تلفزيوني. عند هذه النقطة، احتجت طالبة (وهي بيضاء اللون بالمناسبة) على اللغة المستخدمة، وحين سألتها شيك عن سبب اعتراضها، قالت الطالبة إن أستاذاً آخر كان قد قال لها إن «الأشخاص البيض لا يجب أن يستخدموا هذه الكلمة مطلقاً».
بعد انتهاء الفصل الدراسي في حزيران (يونيو) الماضي، دُعيت شيك إلى لقاء حيث سُئلت عن خياراتها لمواد القراءة المقترحة ضمن حصصها، وعن كيف أعدّت التلاميذ لنقاش مقال بالدوين. ردت شيك بأنه على طلاب الماجيستير في صف الأدب، «أن يتوقعوا نقاش لغة مؤلمة أو عدائية». ومع إنتهاء اللقاء في حينه، أعطيت شيك دليل إرشادات من الجامعة للتعامل مع «قضايا التمييز» ودعيت «كي تتآلف» مع هذه الإرشادات.
شيك قالت إنّ الجامعة تتابع التحقيق بمعزل عن قواعدها التي تنصّ على أن شكاوى التمييز يجب أن تقدم خلال 60 يوماً من الحادثة، الوقت الذي كان قد مرّ حين قدمت الشكوى ضدها. وفيما يبدأ العام الدراسي بعد أسبوعين، لا تزال قضية شيك مجهولة المصير، فيما تقول الأخيرة إن مقاربة الجامعة للموضوع تبدو غير ضرورية، خصوصاً أن سجلها التعليمي في الجامعة ناصعاً لا تشوبه شائبة من 20 عاماً.
القضية الغريبة، إن جاز التعبير، نالت استنكارات عدة لا سيما من منظمات معنية بالحريات. «منظمة الحقوق الفردية في التعليم»، شجبت التحقيق وطلبت من «نيو سكول» إقفاله، معتبرةً أن القضية مضلّلة. أما منظمة PEN في أميركا لحرية التعبير، فقد أصدرت بياناً أشار إلى ضرورة التمييز بين الشتيمة العنصرية ضد أحدهم وبين اقتباس لأهداف تعليمية في صف عن جايمس بالدوين
من جهتها، ردت الجامعة على هذه التعليقات قائلةً إنها فخورة أن تكون مكاناً يحتضن التحقيق الأكاديمي الصارم، وتعدد وجهات النظر والنقاش المحترم. وأضافت «في سياق المناخ السياسي والثقافي الحالي، نحن نلزم الكلية والطلاب باستخدام هذه المبادئ كي ندير مقاربة تعليمية تحترم الحرية الأكاديمية والمساحة التعليمية التي يسود فيها الاحترام».