«أم كلثوم البعلبكيّة: استوفت في ليلتين ما استوردته مصر من تفّاحنا هذا الموسم». سخرت «جريدة النهار»، كغيرها من التغطيات الصحافية لحفلة أم كلثوم عام 1966، من الـ 80 ألف ليرة لبنانية التي تقاضتها الست مقابل إحيائها ليلتين في «مهرجانات بعلبك الدوليّة». في لوحة زيتية للتشكيلي الراحل رفيق شرف، يهجم الثوّار على سراي بعلبك عام 1958 احتجاجاً على سياسة الرئيس كميل شمعون وتضامناً مع القضايا العربية من بينها أزمة قناة السويس في مصر. تطلق صباح، بثيابها الفولكلوريّة الخضراء، «أوووفاً» طويلة ذات ظهيرة بين الآثار في فيديو نادر من أرشيف «تلفزيون لبنان». رسالة موجّهة من رئيس الوزراء الفرنسي ألكسندر ميلران، إلى المطران خوري، يعده فيها بضمّ البقاع وبعلبك إلى دولة لبنان الكبير.


ملصق «زوروا لبنان – صيف المغتربين ١٩٥٥، ١٩٥٥ («الوكالة الرسمية للسياحة اللبنانية» ــ طباعة أوفست من قبل المطبعة الكاثوليكيّة، بيروت، ١٠٢ x ٧٢ سم) ـــ مجموعة بنك عوده (سويسرا)

«طيران أليطاليا» يدعو المسافرين إلى زيارة لبنان متمثلاً بأعمدة معبد جوبيتر على الملصق الإعلاني...
يشرّح معرض «بعلبك، أرشيف الخلود» سحر المدينة ويفكّكه. لكنها متاهة ستقودنا مجدّداً إلى السحر الأوّل عبر الإحاطة بسيل من العناصر التي تشكّلت منها بعلبك، وإن أتت هذه العناصر بشكل تحوّلات اجتماعية ومدينية ألمّت بالمدينة في السنوات الأخيرة ولم تخمد ألقها حتى الآن. المعابد الرومانيّة هي مجرّد محطّة في تاريخها، حقبة أساسيّة جعلت منها مقرّاً للآلهة التي تعاقبت عليها، وموضع نقمة للدين الجديد الذي جاء في القرن الرابع ليدمّر معابدها. تآكلت المعابد مراراً في زلازل طبيعية، وأخرى بشرية. حين حكم البيزنطيون، أمر ثيودوسيوس الأوّل (القرن الرابع) بهدم معبد جوبيتر لبناء كنيسة مكانه. مع ذلك، بقي في بعلبك متسع للآلهة والبشر على السواء، للحجارة والغياب، لتواريخ وأحداث لم تتوقّف عن التوالد في المدينة التي اشتقّت اسمها من الإله بعل الآرامي، ونبك (ينبوع).
في صالة المعارض الكبرى في «متحف سرسق» (الأشرفية ــ بيروت) حيث يستمرّ المعرض حتى 22 أيلول (سبتمبر) المقبل، التاريخ ليس هالة جامدة وثقيلة تفصلنا عنها قرون طويلة. إذ نتنقّل معه طوال عشرة آلاف سنة من حياة المدينة ومعابدها ومهرجاناتها وطبيعتها وناسها. تولّى تنسيق المعرض القيم الفني الإيراني فالي محلوجي (راجع الكادر) الذي قدّم سبلاً ومناظير متعدّدة للتعرّف إليها من خلال حوالى 300 قطعة فنية (لوحات، صور، فيديوهات، ملصقات...)، ووثائق مكتوبة ومسموعة، وقطع أثريّة يجمعها المعرض للمرّة الأولى. عمليّة لا يمكن أن تكون بالسهولة التي قد تبدو عليها، أي إقامة معرض أيّاً كان حجمه عن مدينة أو أرض بشكل عام، فكيف إذا كانت هذه الأرض هي بعلبك.

مقام السيّدة خولة أمام المعابد الرومانية ــ مجموعة حكمت عواضة

الحقيقة الأولى التي لا يهملها محلوجي أنه يتعامل مع مكان حيّ. هذا ما دفعه أولاً إلى التخلي عن الصورة الأثريّة الجامدة. ستحضر امرأة بقاعيّة (عبر الفيديو) لتحكي عن بعلبك وعلاقات الناس معاً. وجودها في المعرض، هو بأهمية أحجار القلعة أو حتى حقبة زمنيّة معيّنة. كل ما يحدث يضاف إلى سيرة الآثار والمعابد، التي حاولت السلطات اللبنانية، والتخطيط المديني فصلها عن المدينة والناس. أما إطار المعرض بشكل عام، فلا يظهّر عزلة المعابد عن الناس أو الزمن الحالي، بل يمدّ أوصالاً بينها، مقتفياً الطبقات الكثيرة التي راكمتها بعلبك طوال سنوات. هناك تسعة أقسام تشكّل عتبات متنوّعة للدخول إلى بعلبك، حيث يعيد المعرض سرد تاريخ المدينة الأركيولوجي، والأنثروبولوجي، والجغرافي والفني، والفوتوغرافي، والغنائي والموسيقي، والشعري والسياسي.
البداية من «عشرة آلاف سنة ــ من زمن المستوطنات الأولى إلى الوقت الحاضر» الذي يوثّق لبعلبك منذ العصور الأولى قبل التاريخ العام (الميلادي) من خلال جدول زمني: العصر البرونزي، والقوتان المصرية والحثية، والممالك الآرامية والرومانية والبيزنطية وفترات الحكم الإسلامي، والعثماني. في هذا القسم، رسم وشرح تفصيليان للمعابد الرومانية، وفترات بنائها من بينها الفناء الأمامي، ومعبد تيكه، ومعبد باخوس، والمذبح الصغير، ومعبد «جوبيتر الإله الأفضل والأعظم في هليوبوليس». تطلّب بناء المعابد من الرومان البحث عن الصخر الأديمي لألا تبتلعها الأرض. إلى جانب المخطط الزمني التفصيلي للحضارات التي توالت على بعلبك، تُعرض آثار ولقى من حقبات عدّة، منها آثار الفترة الرومانية (بالتعاون مع «المديريّة العامة للآثار»)، والعملات المعدنية من التاريخ البيزنطي، والخزف وزجاجات العطور. في قسم «مشهد ذو تنظيم أوروبي»، يتتبع النظرة الأوروبيّة الاستشراقية التي أعادت رسم وتشكيل بعلبك، عبر مجموعة لوحات تعرض في المتحف. وفق نصوص المعرض، فإن ما استمالَ هؤلاء الفنانين هو الادعاء بامتلاك المكان والمعابد، كأوصياء على المشهد الروماني برمّته. جاءت الاستعادة بعد قرون من انقضاء الحكم الروماني، وتحديداً في القرنين الثامن والتاسع عشر، أبرزها لوحتا لويس فرانسوا كاساس التي تستحضر بناء المعابد الرومانية الثلاثة، وأخرى لمعبد باخوس إلى جانب لوحات للفنانين خلال زيارتهم إلى بلاد الشام منهم الفنان البريطاني إدوارد لير في لوحة من القرن التاسع عشر للأعمدة الرومانية، ولوحات الفرنسي بول باسكال.

«إعادة تشكيل المعابد الثلاثة في بعلبك» (ألوان مائيّة وحبر على ورق، ٧١ x ١٣٨ سم ــ قرابة ١٧٨٤-١٧٨٧) للويس-فرانسوا كاساس (١٧٥٦-١٨٢٧) ــ من مجموعة فيليب جبر

لا يتجاهل المعرض تلك النظرة الاستشراقية التي لاحقت بعلبك وصورتها، كجزء من الآثار «الغربية» في الشرق الأدنى. في «علوم الآثار والتطلعات الإمبراطورية»، يواصل التركيز على عمليات التنقيب والحفريات في القرن التاسع العشر، ضمن همّ «التنافس الإمبراطوري على الهيمنة على الشرق الأدنى. طموحات نابليون التوسّعية وغزوه لمصر، ومعركة نافارينو لدعم التحرر اليوناني من الحكم العثماني». تلا هذه الفترة في القرنين الثامن والتاسع عشر، تدخّل ألماني في بعلبك بسعيها إلى التخلّص من الطبقات والزوائد العمرانية التي تبعت الفترة الرومانيّة. كلّما دخلت وتنقّلت أكثر في المعرض، ستتأكّد من استحالة الوصول إلى صورة واحدة لبعلبك. دخل المصوّرون الفوتوغرافيون إلى ذلك المكان المثالي بالاختراع الجديد والمعاصر حينها أي بالكاميرا. نتوقّف عند تلك التجارب التي كانت مسكونة بهاجس الماضي، وبهاجس تظهير الطابع القديم للمعابد وللمكان بلا حضور بشري أحياناً، بل بتأطير الصور في قالب أسطوري كتلك اللقطات التي نراها في قسم «الجديرة بالتصوير الفوتوغرافي». ثمّة صور صنعت الخيال عن بعلبك، وكرّر المصورون تصويرها على مدى سنوات مثل صور المعابد والأعمدة للأسكتلندي جيمس غراهام، والفرنسي فيليكس بونفيس، والإيطالي تانكريد دوما الذي افتتح استديو للتصوير في بيروت خلال القرن التاسع عشر.

الشاعر اللبناني طلال حيدر في لقطة من مقابلة (تصوير ومونتاج: مالك حسني، ٢٠١٩)

بين الخارج والداخل، يركّز المعرض على حضور بعلبك في الوعي الوطني وارتباطها بالهوية اللبنانية. في التاريخ الحديث، دفعت طبيعتها الجغرافيّة السلطات الفرنسية إلى ضمّها للبنان الكبير. نرى هذه الوثائق والرسائل ضمن قسم «من الصورة إلى الأثر الوطني ــ صعود بعلبك اللبنانية»، بالإضافة إلى الطوابع البريدية التي ظهّرت بعلبك في الثلاثينيات والخمسينيات من دون أن تتخلّى عن اختزالها بالآثار، كأنها منسوخة عن الصور الفوتوغرافيّة. يظهّر المعرض التعامل المحلّي مع بعلبك، من حضورها في الخيال الشعبي عبر السينما، والتلفزيون والملصقات، وصولاً إلى مقابلات مع بعض من أهالي بعلبك في فيديوهات من بينهم الشاعر طلال حيدر، ورئيس مجلس النواب الأسبق حسين الحسيني، فيما يخصّص لأبرز التشكيليين رفيق شرف زاوية خاصّة لعرض لوحاته لسهل البقاع ومعبد باخوس وغيرها. ليس مستغرباً أن تكون «مهرجانات بعلبك الدولية» القسم المفضّل لكثير من الزوار.

قرية بعلبك ــ تصوير مارلين ستافورد

في الغرفة المعتمة، نحظى بأرشيفات نادرة لحفلات فيروز وإيلا فيتزجيرالد وآخرين، بالإضافة إلى وثائق صحافية، وتغطية لحفلات، وملصقات وصور لأبرز الوجوه العالمية والعربية التي صنعت اسم المهرجان حين كان سباقاً بين مهرجانات المنطقة بأكملها. نعود إلى سنة الإطلاق الأولى (1956) عبر رسالة مسجّلة بصوت رئيس الجمهورية كميل شمعون يعلن فيها عن «الرسالة الحضارية للمهرجان اللبناني». يفتقد هذا القسم أي إشارة إلى «فندق بالميرا» الذي نال شهرته بفضل المهرجانات، والفنانين الذين أقاموا فيه مثل الفرنسي جان كوكتو، وفيروز التي لا تزال غرفتها موجودة حتى الآن. في الواقع، علقت القلعة في طابعها اللبناني، وغاب هذا الطابع تماماً عن المدينة، بافتقارها إلى أي تخطيط أو اهتمام مديني واجتماعي أو اقتصادي.
تركيز على حضورها في الوعي الوطني وارتباطها بالهوية اللبنانية من خلال وثائق ورسائل وطوابع بريدية

شرخ منحه الاستعمار الفرنسي شرعية من خلال مرسوم صدر أواخر الثلاثينيات لفصل المدينة عن الموقع الأثري. لا يشيح المعرض عن هذه التغيرات والمآسي التي تلمّ ببعلبك، بل يعيد ربط أوصالها، وإن عبر تظهير الكوارث المدينية والبيئية والاجتماعية والدينية في قسم «المدينة الحديثة». هنا يشارك في إعادة كتابة التاريخ، وتوثيق للتغّيرات التي تلت الحرب، منها إهمال الدولة، والتفلت الأمني... نقرأ عن قطع أشجار طريق رأس العين ذات ليلة، أفاق الناس بعدها ليجدوا الطريق وقد فقدت أبرز ملامحها. اللافت أن هذه التحوّلات تصل إلى الطابع الجديد الذي تلبسته المدينة، مع تشييد مقام خولة ابنة الحسين على مشارف المعابد الرومانية في القرن السابع عشر، قبل أن يعاد ترميمه في التسعينيات. أما القسم الأخير، فوقفة مع أهالي بعلبك من السياسيين والشعراء والمواطنين الذين يظهّرون التنوّع الديموغرافي في المدينة من خلال سبع مقابلات، ترصد ذكرياتهم فيها، وعلاقات الناس، والتحوّلات التي طاولتها في العقود الأخيرة.

* «بعلبك، أرشيف الخلود»: حتى 22 أيلول ــ «متحف سرسق» (الأشرفية ــ بيروت). للاستعلام: 01/202001



فالي محلوجي: نحو أنسنة المدينة
قضى قيّم المعرض فالي محلوجي ثلاثة أشهر في بيروت للتحضير لمعرض «بعلبك، أرشيف الخلود». في مقابلة معه، يخبرنا أن الهدف الأساسي وراء إقامة المعرض هو «أنسنة بعلبك التي تعدّ مدينة حيّة ومتحرّكة قبل أي شيء». إذ يشدّد على أن النصب التي شيّدت خلال فترة الحكم الرومانيّة، «هو أمر متجذّر في حاضر المدينة». قبل عامين، طرحت الفكرة بين متحف «سرسق» ولجنة «مهرجانات بعلبك الدوليّة» وتمّت دعوة محلوجي، فيما شكّلت «مجموعة جبر» نواة المعرض بضمّها وثائق وقطعاً أساسية. أما عمل محلوجي، لاحقاً، فيصفه بأنه كان يهدف إلى تجاوز نصب بعلبك الشهيرة نحو «فهم أعمق للحضارة الإنسانية والتاريخ البشري».

طابع «مهرجانات بعلبك» رسم مارك هنري (2.50 ق ــ حفر ضوئي، ٢،٤ x ٤ سم ــ 1964 ــ من مجموعة عبدو أيوب)

هكذا، عاد بالأرشيف والوثائق التاريخية إلى الحقبات الزمنية والحضارات التي توالت على بعلبك، ساعياً إلى «الإحاطة بعدسات، وحوارات ومنظورات مختلفة تغطي القديم والحديث، والأسطوري والتجريبي، والرمزي الماديّ، والتاريخي العالمي والشهادات الشخصيّة». تعمّق فالي في دراسة بعلبك وتاريخها، محاولاً تظهير عملية الشد والجذب بين البشر والآلهة. هكذا، لم يتجاهل الناس، وحيواتهم المعاصرة والتغيّرات الاجتماعية والمدينية الحديثة التي ألمّت ببعلبك. علماً انها المرّة الأولى التي يعمل فيها محلوجي على معرض في لبنان. في السنوات الأخيرة، نسّق القيم المقيم في لندن معارض عدّة في أمستردام ولندن ودبي وموسكو وسنغافورة. من بين أبرز مشاريعه الأخيرة جناح خاص للمصوّر الإيراني الراحل كاوه كولستان (1950 ــ 2003) في «متحف تايت مودرن» في لندن، إلى جانب إطلاقه منصّة Archeology of the Final Decade عام 2010. وهي منصّة تثقيفية تتحقق وتتعمّق وتعيد نشر بعض المواد الثقافية والفنية الغامضة من تلك التي تعرّضت إلى التدمير والحظر والرقابة.