في آخر آب (أغسطس)، تستيقظ جزيرة ليدو، اشبينة جزيرة البندقية عروسة الأدرياتي، وتحاول خطف الأنظار محتفيةً بـ «مهرجان البندقية السينمائي». وفِي دورته الـ ٧٦، تتنافس المخرجة هيفاء المنصور بفيلمها «المرشحة المثالية» (السعودية، ٢٠١٩) على جائزة الأسد الذهبي ضمن عروض المسابقة. تعتبر المنصور أول امرأة مخرجة سعودية أنجزت ثمانية أفلام من أشهرها «وجدة» (السعودية، ٢٠١٢) الحاصل على جوائز عدة من ضمنها جوائز في «البندقية». تخص المنصور أفلامها لمواضيع تتعلق بالمرأة بشكل عام، والسعودية على الأخص منتقدةً واقعها، مما جعلها محطاً للنقد والإشكاليات. في «المرشحة المثالية»، تصوّر المنصور التغييرات في المجتمع السعودي في كل ما يتعلق بمكانة المرأة وتوجهات المجتمع السعودي للمرأة، والنظرة المحدودة والمهمشة لها، بدون تفرقة أكانت مطربة أعراس، طبيبة أو مرشحة للإنتخابات المحلية تدفعها مسؤولية مجتمعية أو رغبة اصلية للإصلاح. وفِي كل الأحوال تبقى في نظر أفراد المجتمع، نساء قبل الرجال «حريم» يجدر بها التصرف حسب قوالب مجتمعية تقليدية وبالية.

الفيلم (تمثيل ميلا الزهراني، ونورا العواض، وضاحي الهلالي ـ تمويل ألماني - سعودي ـ أول شريط يحوز تمويل المجلس السعودي للأفلام) الذي صوّر في السعودية، يبدأ بمقطع يصوّر بطلته الطبيبة وهي تقود سيارتها، وتمثل المنصور في هذا الفيلم التغيير الذي حدث في السعودية في السنوات الأخيرة. تصور واقع المرأة في السعودية من منظور بطلته الطبيبة وواقع عملها في عيادة مدينة سكنها والصدفة التي أوصلتها للترشح لانتخابات البلدية. تصور المنصور علاقة الطبيبة مع عائلتها الداعمة، وعلى الأخص والدها، مصرحاً أنّه لن يقف في طريق بناته، تاركاً للطبيبة حيزاً من الاستقلالية والمسؤولية لتتخذ قراراتها وتجد الحلول للعقبات وحدها، بجرأة وعناد، لولاهما لما حصل التغيير المنشود.
يبدأ الفيلم بتصوير الطريق الموحل الى عمل الطبيبة. وكما الصعوبات في الوصول الى مكان العمل، كذلك فطريقها المهنية موحلة حيث يرفض المرضى علاجها لهم كونها امرأة محرمة عليهم. واذا ارادت السفر والتطور مهنياً، تصدها القوانين التي تحدد حرية تنقلها بموافقة ولي أمرها. تتغير شخصية البطلة مع تقدم احداث الفيلم، لتمتلك الجرأة الكافية لتنزع نقابها، تكشف عن وجهها بمحضر من الرجال، لتحادثهم وجهاً لوجه، محاولة إقناعهم بجدارتها كمرشحة وتسمع صوتها عالياً بعدما حاولوا تجاهله، محاولة إثبات مكانتها في المجتمع وكونها قديرة لتترشح للعمل السياسي في بلدتها.
بطلة هيفاء المنصور لم تفز في الانتخابات، لكن بالرغم عن ذلك وبخوضها المعركة الانتخابية وبعدما اثبتت مكانتها بقدر كبير من العنادة، والشجاعة واللامبالاة لأقوال الغير، أنجزت التغيير المنشود وتستحق أن تفوز بالمنصب الذي ترشحت له. بعض محادثات الفيلم وأحداثه نمطية ومباشرة الى حد يحط من سلاسة الحبكة، ولا بد من التساؤل الى أي جمهور موجه الفيلم وبعض مجرياته جليّة للمشاهد السعودي والعربي. وتلح حتميّة السؤالين اذا كانت رسالة المنصور موجهة الى جمهور المهرجانات العالمية، كـ «مهرجان البندقية» الذي يتوق دوماً الى أفلام تطلعه على واقع المرأة العربية بشكل عام، والسعودية بشكل خاص ونضالها لتغيير مكانتها في المجتمع، أم إذا كان الفيلم موجههاً لجمهور محلي من السعوديين خاصة ومن أبناء الوطن العربي عامة كأداة فنيّة ثورية تضاف إلى طرق وأساليب التغيير المجتمعي. من غير الممكن عدم التطرق للشريط الصوتي المرافق للفيلم، والمغنية النوبية المتألقة.... لما يحمل من نبذة عن ثقافة السعودية الموسيقية. في نهاية العرض العالمي الاول للفيلم في مهرجان البندقية، دمعت هيفاء المنصور وزغردت فرحاً، وفِي الأيام القريبة المقبلة ربما سوف تزغرد المنصور مجدداً فرحاً لفوزها بأسد مهرجان البندقية الذهبي!