تاريخياً، تمكّنت تجارب فردية في أوروبا بعد عصر النهضة من إنقاذ المسرح من تهاوٍ كبير سيطر عليه طويلاً، خلق هوّة كبيرة بين الخشبة والواقع، إذ سيطرت الميلودراما الصاخبة، والافتعال المطلق، والعاطفة والحالة الشاعرية المبالغ فيها، على غالبية العروض آنذاك، إلى أن بدأت محاولات ساطعة لربط الدراما المسرحية بالواقع وحيثياته. هنريك إبسن (1828 ــ 1906) مؤسس ورائد المسرح الواقعي، بنى على تجربته الراسخة مسرحّيون كثر في العالم! وربّما تعتبر الصيغة الواقعية، هي المنفذ الوحيد لتبديد المسافة بين المتفرّج وخشبة المسرح، وتخليصه من أعباء الادعاءات والمقولات الكبرى! ولعل المسرح الواقعي بمفهومه الحديث يعتبر وصفة مثالية لتقديم عروض مسرحية رشيقة تأسر المشاهد، وتمنعه من تفقّد هاتفه والهرب إلى حياة السوشال ميديا المسيطرة بشكل كلّي على يومياتنا.

يبدو أنّ صنّاع مسرحية «طميمة» (كتابة شادي كيوان، إخراج عروة العربي ــ تمثيل: كفاح الخوص، كرم الشعراني، يزن خليل، مرح حجار، مرح حسن) فهموا اللعبة جيداً، وأرادوا تقديم وجبة حياتية تعاين الأزمة من ناحية جديدة، وتقدّم في حكايتها شخوصاً موغلة في الواقعية، تشبه إلى حدّ التطابق نماذج سورية عايشت الأحداث منذ اندلاعها. الحكاية تنطلق من شخصية «سيف» (يزن خليل)، المصوّر الفوتوغرافي الذي انكفأ في غرفته مختبئاً من مخاطر الحرب و«الأخذ عسكر»! نشأت بطريقة لا إرادية علاقة عميقة بينه وبين خطيبة صديقه الذي هاجر إلى ألمانيا. وبينما ينكسر جليد السرّية بين الثنائي في غرفته، ويبدآن بالمكاشفة خاصة أنه تخلّى عن علاقة قديمة متعبة لتّوه، يقتحم غرفته صديقه «أبو سارية» (كرم الشعراني)، الرجل المتنفّذ الذي ركب السكّة المتقلبة للحياة السورية الجديدة، وراح يبني علاقات مشبوهة، ويراكم أموالاً غير نظيفة، ويتسيّد المشهد المخزي للمرحلة المتردية! يخفي «سيف» صديقته في الخزانة، وتندلع شرارة التصعيد عندما يكون صديقه قد أسس لمفاجأة الشاب في عيد ميلاده بوصول «طارق» (كفاح الخوص) صديقه من ألمانيا. يعيد «طارق» و«أبو سارية» حبيبة «سيف» إليه، وينسحبان على أمل إصلاح الأمور، لكن تبدأ بينهما مشاجرة حادة، ثم يعود الصديقان لتصل الأمور إلى خواتيم الاعترافات الوقحة. واحد أحب خطيبته، وآخر تحرّش بها لفظياً على الفايسبوك، بينما يعترف «طارق» بأنه تزوّج فتاة ألمانية، مع أنه ما زال عالقاً بحبيبته.
الفيض الكلامي يأخذ بوصلة الحدث إلى ذروته، لدرجة العراك بالأيدي الذي ينتصر فيه «أبو سارية»، قبل أن يغادر الصديقان تاركَين «سيف» غارقاً في قلقه. لكن الصدمة تكون باختفاء الفتاة من الخزانة المثبتة أصلاً أمام نافذة مطلة على الشارع! ولعلّ ما قاله «طارق» من خطاب بليغ عن اختباء الشعب السوري كلّ على طريقته (أحدهم في سيارة ذات زجاج داكن، وآخر في بحر عريض يودي إلى أي مكان أقل خطورة، وثالث في قبر، ثم في إطار صورة يعلقها أهله على الحائط) هو الأكثر تأثيراً في غالبية مكامن النص وطروحاته.
أراد مخرج العرض وسمه بالواقعية المفرطة، محيلاً المشاهد إلى وجبة أدائية خالصة، شبه معافاة من القيم المضافة المتعلقة بالديكور، أو الموسيقى، أو الإضاءة. مجرد قطع أثاث توحي بغرفة فقيرة، وصناديق تشي بحالة التهجير القسري التي يعيشها السوريون، وإضاءة ثابتة، مع غياب شبه كامل للموسيقى، باستثناء أغنية ختامية بدت مقحمة على سياق الحدث، وربما كان التخّلي عنها أكثر صوابية لنهاية استفهامية! عموماً، تمكّن الممثلون الخوص وخليل والشعراني من القبض بإحكام على انتباه المشاهد، والتلاعب بمشاعره، والتحليق بوجدانه في أماكن حادة التباين، لدرجة أن الأداء التمثيلي بدا البطل الرئيسي للعرض. رغم الملامح التلفزيونية الواضحة على الفكرة، والتعاطي معها ببساطة زائدة ربما اعتمدت على ارتجال الممثلين على الخشبة أكثر من أي شيء آخر. استسهال لعلّه مقصود لكسب ود الجمهور، وهو ما يفسّر تمديد المسرحية لثلاث مراّت متلاحقة.
في عرض أمس الثلاثاء، وعلى الصفّ الأوّل، سيقترف أحد المشاهدين خطيئة، عندما يكرر حديثه على موبايله مرّات عدّة. السلوك المشين يستحق ملامة وتأنيباً، لكن ليس لدرجة أن تتحولّ تحية الممثلين للجمهور إلى عراك للخوص والشعراني مع هذا المتفرّج علناً، وكأنهما ظلّا متقمصين دوريهما حتى أثناء التحية!

*«طميمة»: لغاية يوم السبت ــ الساعة السابعة والنصف مساءً بتوقيت دمشق وبيروت ــ على «مسرح القباني» في العاصمة السورية. للاستعلام: 00963112318019