«أنا الكاهنة إنخيدوانا، حاملة سلة البخور أنشد ترنيمتك السعيدة، لكنني الآن لم أعد أسكن المعبد المقدس الذي شيدته يداك، أتى النهار وجلدتني الشمس، وأتى ظلّ الليل وأغرقتني الريح الجنوبية، صوتي الرخيم الحلو كالعسل صار نشازاً، وكل ما أعطاني المتعة تحوّل إلى غبار، أه، أيتها الملكة التي ابتكرت النواح، مركبُ النواح سيرسو في أرض معادية، وهناك سأموت، أنشد الأغنية المقدسة. أنا الشاعرة إنخيدوانا، أنا السيدة، أسبحُ في المكان، أُمسكُ الكون». إنه البيان الشعري الأول في البلد القائم على فالق الزلازل. أنخيدوانا ابنة سرجون الأكادي تجعل الشعر شرطاً وجودياً للسكنى في الكون. لم تعد تسكن في المعبد المقدس للرب كما يقول بيانها التأسيسي، بل يصير الشعر كما سيصرّح فرنسي اسمه مالارميه في قرن متأخر «أخطر من الرب». جعلت إنخيدوانا الشعر مدماكاً للحضارة، ونداً للكلمة التي تخلق العالم. ظلت الرؤية الشعرية لابنة سرجون تسري ما بين دجلة والفرات، يحفرها البابليون والآشوريون والكلدانيون قصائد تحكي قصة الخلق والطوفان بالمسامير على الرقائم الطينية، فجلجامش هو الآخر ترك لنا البيان الشعري الآتي في ملحمته العظيمة: أن نحب الحياة مع الكلمات رغم الموت الذي ينتظر، شعرية الحياة تكمن ها هنا، وتعادل الأبديّة، كما تعلّمنا الملحمة. مثل تلك المياه التي لا تتعب نازلة من جبال طوروس تخترق الأرض العراقية حتى مصبها في شط العرب، ظل الشعر يجري في أرض السواد، كأن حمولة مراكب إنخيدوانا سيتقاسمها شعراء أربعة في بغداد العبّاسية ولكلّ منهم بيانه أو رؤيته للشعر في قلب الحياة والوجود: المتنبي في «أنا الذي نظر الأعمى» كأنه سليل إنخيدوانا في لقبه ورؤيته النبوية للشعر، أبو نواس في «عاج الشقي على رسم يسائله» كأنه مانيفستو الشعر الحديث في قلب المدينة، أبو تمام في «فتحٌ تفتَّحُ أبوابُ السَّماءِ لهُ وتبرزُ الأرضُ في أثوابها القُشُبِ» في تقديم الصورة البيانية والأسلوب إلى الواجهة، والحسين بن منصور الحلاج في «أدنيتني منك حتّى ظننتُ أنّكَ أنّي»، في الاتحاد الصوفي شعراً وفِعلاً للزائل بالمطلق: إنها شبابيك أربعة تبعث على الرؤية، في قلب «البيت». بعد ألف عام تقريباً من المتنبي، وفي قلب مقدمة «شظايا ورماد»، ستكتب حفيدة أخرى لإنخيدوانا اسمها نازك الملائكة: «الشعر العربي يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقى من الأساليب القديمة شيئاً. فالأوزان والقوافي والأساليب والمذاهب ستتزعزع قواعدها جميعاً، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقاً جديدة واسعة من قوة التعبير، والتجارب الشعرية «الموضوعات» ستتجه اتّجاهاً سريعاً إلى داخل النفس بعدما بقيت تحوم حولها من بعيد. أقول هذا اعتماداً على دراسة بطيئة لشعرنا المعاصر واتجاهاته. وأقوله لأنه النتيجة المنطقية لإقبالنا على قراءة الآداب الأوروبية ودراسة أحدث النظريات في الفلسفة والفن وعلم النفس. والواقع أن الذين يريدون الجمع بين الثقافة الحديثة وتقاليد الشعر القديمة أشبه بمن يعيش اليوم بملابس القرن الأول للهجرة».

كانت نازك ترى بملائكتها ذلك الضوء الذي سيخرج من بيروت في مجلة «شعر» مع يوسف الخال وأدونيس وانسَي الحاج ومحمد الماغوط ليزلزل بنية وروح الشعر العربي بأكمله، وليلاقيها بدر شاكر السياب في مقدمة «أساطير»: «وقد لاحظت من مطالعاتي في الشعر الإنكليزي، أن هناك «الضربة» وهي تقابل «التفعيلة» عندنا، «مع مراعاة في خصائص الشعرين من اختلاف» و«السطر» أو «البيت» الذي يتألف من ضربات مماثلة في النوع للضربات الأخرى في بقية الأبيات، لكنها تختلف عنها في العدد «في بعض القصائد»، وقد رأيت أن من الإمكان أن نحافظ على انسجام الموسيقى في القصيدة، رغم اختلاف موسيقى الأبيات، باستعمال «الأبحر» ذات التفاعيل الكاملة، على أن يختلف عدد التفاعيل من بيت لآخر»، فاتحاً الباب أمام قصيدة التفعيلة التي يبدو السياب أول روادها مع الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، ليلاقي عبد الوهاب البياتي نازك الملائكة والسياب ببيان ناري: «في أرضنا الطيبة» وفي شرقنا العربي، وفي القرن العشرين أيضاً لا يزال مئات ومئات من صيادي الذباب ينظمون ويهرفون، فمن لنا بإحراقهم وإحراق أشعارهم وذبابهم. وأعود إلى رعش الذباب- القافية La rime وإلى الوزن أو الإيقاع Le rythme فأقول: إنه قد آن لنا أن نقضي عليهما- قدر الإمكان- «لأنهما لم يعودا مؤاتين لتجاربنا الجديدة» ولأزمة ضميرنا وحريتنا. هذا وإن جمود الشعر عاجز، ناقص، كسح ينبغي أن يعاد فيه النظر». كسرُ القوالب الجامدة في بنية وروح الشعر العربي من قبل هؤلاء الثلاثة الكبار أعاد وضع هذا الشعر على خريطة الشعر العالمي، لتظهر بعدها المرحلة الحداثية ببيان الستينيين أو بيان ٦٩ (بتوقيع سامي مهدي وفوزي كريم وفاضل العزاوي وخالد علي مصطفى) في قلب مرحلة في تاريخ العرب تعج بالأفكار اليوتوبية والخلاصية، ليصوغ بعدها خزعل الماجدي وعبد الحسين صنكور بيان «القصيدة اليومية» وبيان «الرؤية الآن» (فرج الحطاب وجمال الحلّاق) ، لتكر بعدها سبحة البيانات الشعرية التي أحصاها عدداً ومضموناً الشاعر عارف الساعدي في مقال جامع («الشرق الأوسط» ـ أكتوبر 2018) وشبّهها بالبيان رقم واحد للانقلابات العسكرية في البلدان العربية، وصولاً إلى البيان الأخير الذي أصدره شعراء «ميليشيا الثقافة» (كاظم خنجر، مازن المعموري، أحمد ضياء، علي ذرب) بعد المجازر الطائفية في العراق بارتدائهم للملابس البرتقالية التي كانت «داعش» تلبسها للمحكومين بالإعدام عند أدائهم للشعر الحركي، في رسالة واضحة المضمون حول «الكلمة الخرساء» أمام الدم، والمصطلح للمفكر الفرنسي جان رانسيير. قد تغيب البيانات الشعرية عن العراق اليوم، «لا سيما عند انسداد الأفق بدخان الحروب...كان كل شاعر يقول ما يراه من دون أن يرى ما يقوله، وانطمست إثر ذلك حيوات وخبرات» كما يقول الناقد العراقي حسن ناظم في كتابه «شعرية العابث» (دار التنوير ـ ٢٠١٩) لكنه قلق التحديث الذي سيظل يراود الأرض التي غطتها أغاني جلجامش ومراثي الحسين، ذلك القلق «وكأن الريح تحتي» في لامية المتنبي أو القلق الذي يهز الكرسي في مطلع قصيدة سركون بولص العظيمة:
«كرسي جدي ما زال يهتزّ على
أسوار أوروك
تحته يعبر النهر، يتقلّب فيه
الأحياء والموتى».