تسقط القراءات النقدية للموسيقى العراقية والمراجعات البحثية لأشكالها وأنماطها في سرديات تاريخية لم تعد مهمة لفرط تكرارها، أو في شروحات وهوامش عن طبيعة الأنغام وتحليلها مقامياً من دون الوصول إلى جوهر تلك الأنغام... ذلك المستمد من بيئات جغرافية ـ اجتماعية مختلفة لكنها تنتظم بـ «تناغم» في بناء ثقافي لم يجد نظيراً له مثلما وجد في «هارموني» النغم العراقي، وتحديداً المعاصر منه (ثلاثينيات القرن الماضي حتى اليوم). التعبيرات النغمية في البصرة خاصة ببيئتها، مثلما أنغام الكرد خاصة بهم تتناسب مع بيئتهم الجغرافية - البشرية، وكذلك أنغام البادية والريف، وهي غير ما سبق من بيئات، وبالأساس غير أنغام المدينة التي ظلت تتطور وتتجدد في محاكاة ليست منفصلة عن نزوع المدينة العراقية (بغداد على وجه الخصوص) إلى التجدد والتحديث بخاصة خلال نصف قرن يبدأ مع ثلاثينيات القرن الماضي وينتهي بـ1980 حين أغلقت الحرب الإيقاع الطبيعي للحياة ومسارها ثقافياً واجتماعياً.

ظل «المقام العراقي» أبرز معالم النغم المديني، حتى بدأ نفوذه يتراجع مع مسار «ترييف» المدينة في النصف الثاني من القرن الماضي، فتم نقله بغلاظة وقسوة إلى مدار التاريخ و«النتاج الثقافي القديم»، رغم قدرته على التجدد بوجود أسماء معاصرة لم تتردد عن التعاطي الحي معه كشكل قابل للتغيير، مع كونه شكلاً فنياً موسيقياً أقرب إلى الارتجال الأدائي منه إلى السلّم الموسيقي. فهو بمثابة قياس أو اختبار للمقدرة الصوتية لدى المطرب أو قارئ المقام كما يطلق عليه في العراق. هذا ما يلاحظه الدارس أو الباحث في المقامات العراقية لجهة «أنها تحوي سلالم موسيقية لا توجد في الموسيقى الشرقية (ونقصد على الأخص في مصر وسوريا) على سبيل المثال «مقام اللامي» الذي أصبح واحداً من المقامات العراقية المميزة، خصوصاً بعد انعقاد مؤتمر القاهرة سنة 1932 حيث أبدع الفنان محمد القبانجي بالتغني به وأبهر المستمع العربي المثقف بجمال هذا النغم. وقد تأثر به محمد عبد الوهاب ولحن به بعدها ألحاناً عديدة أشهرها «ياللي زرعتوا البرتقال». كثير من المقامات العراقية غير معروفة أو مستعملة في السلالم الشرقية مثل «المخالف». وهو بطبيعته ليس سلماً كاملاً، ولا يستخدم عموماً إلا في المقام العراقي» كما يثبّت هنا هذه الملامح الكاتب وائل قاقيش.


إشارة قاقيش المهمة إلى أثر القبانجي، تأكيدٌ على ما ذهبت إليه فكرة المقام العراقي بصفته غناءً مدينياً وابن بيئة تتطور دائماً، بل تتغير، لا سيما إذا عرفنا أن القبانجي يصنّف على حداثويّي قراءة المقام «ويتميز عن المدرسة السابقة في ميله إلى الخروج النسبي عن الأصول والتحرر من القواعد الكلاسيكية للاستجابة للطاقة الصوتية للمغني من جهة، ومتطلبات الخروج إلى جمهور واسع، من جهة أخرى» كما يكتب الباحث حسين الهنداوي.
توجُّه ابن بغداد القبانجي نحو «الخروج النسبي عن الأصول والتحرر من القواعد الكلاسيكية» لم يأت من فراغ، بل هو استجابة لمسارات موضوعية كانت تشهدها مدينته في العمارة والثقافة والتربية قائمة على «التحرر من القواعد الكلاسيكية». ومن هنا جاءت علاقته بعالم صناعة الموسيقى: تسجيل الأنغام على أسطوانات.
ذلك الملمح البارز نحو حداثة النغم عند القبانجي، وإن ظل ضمن شكل «المقام العراقي»، تسلم رسالته المطرب الراحل ناظم الغزالي، لينقل المقام من ملامحه الشفاهية التقليدية إلى قالب الاغنية المعاصرة في ما يشبه المغامرة التحديثية التي لم تكن ستشهد نجاحها لولا العبقري جميل بشير الذي طوّع ـ عبر توزيع موسيقي معاصر - قالب المقام ليصبح على ألسن ملايين الشباب وهي تردد ما يقدمه صوتٌ عذب مثّله الغزالي. وإذا كان الغزالي قد خبر فنون «المقام العراقي» وأجادها، فإن ذلك عائد إلى اعتبارين: الأول تأثره الكبير بشخصية الرائد محمد القبانجي، فكراً فنياً وسلوكاً، والثاني استلهامه بعمق لجزيئات تلك الفنون اللحنية والأدائية و«توظيفها» في بناء أغنياته وصوغها، حتى بدا كأنه أضفى روحاً شابة على أشكال لحنية «عتيقة» لكن من دون التنكر للبناء الفني العميق في تلك الأشكال.
من هنا، يمكن الدخول إلى الأثر الكبير الذي تركه الغزالي على ملامح الأغنية العراقية وأخرجها من قالبها التقليدي، فلم يكن ولعه بالأغنية بحدود الأداء، إنما كان بصدد تنفيذ مشاريع تدور في ذهنه حول «تطوير» الأغنية لحناً وأداءً وقراءة ثقافية واجتماعية، ونجح في ما أراد وأدى الألحان التي قرّبت الأغنية العراقية من الذوق والأسماع العربية التي كانت تجهل الكثير عن أطر الغناء العراقي. بدا قريباً من تنفيذ «مشروعه» حول تجديد وتطوير معظم «البستات» والأغاني التي كانت ملازمة للمقام العراقي لولا الموت الذي عاجله وهو في قمة مجده وعطائه.
وفي التأكيد على أن المقام العراقي فن غنائي مديني محض، فإننا لا نجده خارج بغداد إلا في كركوك والموصل وأربيل، وهي مدن أنجبت «عدداً من أهم قارئي المقام باللغات العربية أو الكردية أو التركمانية من بينهم في الموصل اسماعيل الفحام، وفي أربيل وطاهر توفيق ورسول كوردي من دون نسيان أمير المقام باللغة الكردية الفنان الكبير علي مردان الذي أبدع في عدد من المقامات لا سيما مقام الرست» وفق ما يؤكد الباحث حسين الهنداوي.
ناظم الغزالي نقله إلى قالب الأغنية المعاصرة في ما يشبه المغامرة التحديثية


تأثير المدينة على المقام العراقي ودائماً لجهة «الخروج النسبي عن الأصول والتحرر من القواعد الكلاسيكية»، اتّضح لاحقاً في طبيعة الأصوات التي تؤديه، فهو إلى حين قريب من النصف الثاني من القرن الماضي، كان فناً رجالياً بامتياز. لكن حداثة المدينة العراقية وحريتها النسبية (خروج النساء إلى النشاط العام) انعكستا في أداء عراقيات تمكنّ في حدود ما من أداء المقام كما عند سليمة مراد، وزهور حسين، ومائدة نزهت وحالياً فريدة محمد علي.
وفي حين يرى الناقد الموسيقي والخبير بـ«المقام العراقي» يحيى إدريس أن «المقام هو فارس الأنغام في هيكلية الغناء العراقي والعربي ومن معطفه خرجت الأداءات الدينية بأكملها، فهو فن باق في وجدانية العراقيين، ولكنه بحاجة إلى دعم حكومي وتوفير وسائل العرض والانتشار، كي يحتل مكانته المرموقة، فهو يعيش تراجعاً وانكساراً وسكوناً، وأهل المقام الذين يحملون رسالة وطنية مشتتون وفقراء في مشارق الأرض ومغاربها»، فهو يكون على قدر كبير من الصدق لا سيما أن الحارسين البارزين على المقام وهما حسين الأعظمي وحامد السعدي مقيمان خارج البلاد. فالأعظمي مقيم حالياً في عمّان ومنها يجول عبر عواصم عربية وعالمية، منشداً بصوته المطواع أفانين النغم العراقي الجميل فضلاً عن إغنائه المكتبة الموسيقية العربية بمؤلفات رصينة عن المقام العراقي في مراحله المختلفة، وكذا الحال مع السعدي الذي يتنقل من بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما، ومعهما مؤدية المقام فريدة محمد علي المقيمة في هولندا.
وإذا كان «المقام العراقي» هو جوهر أغنية المدينة حتى في أشكالها الأكثر حداثة، لكن الغناء العراقي أوسع من هذا المسار وأغنى نغمياً، فثمة غناء الريف المهم كمصدر نغمي أصيل حتى مع نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي، وثمة الغناء البدوي، ناهيك بالأنغام الكردية الغنية والمتشعبة، فضلاً عن نغم البحر الذي تتصل عبره البصرة ببيئة الخليج والهجرات الأفريقية والهندية. كما أن الموسيقى العراقية ليست مجرد غناء رغم طيفه النغمي الواسع، بل هي الأنغام المجردة، غربية كانت أم شرقية التي صاغها ويصوغها مؤلفون عراقيون بارعون أكان ذلك عبر أعمال «غربية كلاسيكية» للأوركسترا السيمفونية، أو للقوالب الشرقية (السماعي واللونغا) وصولاً إلى الجاز الحديث.