ما هو العراق؟ هذا إذا كنا بصدد التعريف عن البلاد الواقعة على ضفاف النهرَين التاريخيَّين للحضارة دجلة والفرات، حيث دبّ جلقامش وصاحبه أنكيدو باحثَين عن الخلود. هنا يبدو العراق محدوداً بالمقارنة مع بلاد العراق، ومع هذا يبقى «كثيراً»، على المعلومات المحددة والموحدة التي تعرّفه، و«قليلاً» على مآلات المعرفة في سياقها الحديث، ففيه كل شيء، ولا شيء معاً، بلاد متخومة بخواءات الوعي، وانتظارات الرماد، بلاد ينذري فيها حزنها على حزنها، ودموعها على دموعها، ودماؤها أهوار يبلعط فيها سمك الزقوم، وملح الجراح. فما العراق إذاً؟

لا نعرف من العراق إلا الفخر به، منذ سومر وحمورابي، وزيقورات بابل، ومعارك نبوخذ، وخراج الرشيد ومساجلات المأمون، ووامعتصماه، لا أحد يعرف أكثر، حتى هؤلاء أبناء الفخر لا يعرفون.... فهم أبناء العشائر والطوائف والمذاهب أولاً، فهل للفخر من الفخر نصيب؟!
في المبتدأ هم أبناء سومر وحمورابي وبابل ونينوى، وفي الخبر هم ماحوها، وقتلة علاء المشذوب أيضاً، فهل يصحّ مبتدأ الفخر مع خبر الفجيعة؟!
في الوظيفة الجيوعسكرية التاريخية، كان العراق خاصرة فارس الرخوة، فمن يحتلّ العراق يطأ فارس، وظلت هي والشام بغساسنتها ومناذرتها، معبراً لصراع شرق غرب بالمعنى الجغرافي. أما في الوظيفة الثقافية، فكان العراق معجناً للثقافات الهاطلة من أصقاع هذا الشرق المترامي، وسجلاً للشعوب والأعراق والأديان والطوائف والمذاهب، متحفاً أنتروبولوجياً حياً لها، فأين ستجد صابئة مستمرين إذا لم تذهب إلى العراق؟ في العراق لن تجد عرقاً واحداً صافياً، في شتى ضروب الحياة وعلومها ومعارفها، من علم الانسَاب، حتى علوم الفقه والموسيقى والري والعمارة والطبخ. وهذا ليس من قبيل التغني الشعائري بالفسيفساء الوطنية، بل هو واقع ممارس على الأرض، في الثقافة والسلوك الاجتماعي (وليس المجتمعي على أي حال)، وفي اللحظة التي تنكّر فيها أهل العراق لهذه الثقافة ولهذا السلوك، وقع جميعه في مستنقع المستحيل، وانقطع السبيل للعبور إلى «المجتمع»، وهو الشرط الشارط لبقاء واستمرار البلدان، فالمجتمع بمعناه المعاصر يُبنى على المصالح والإنتاج مشهراً هويته المتجددة، وليس على الانتماءت والهويات التراثوية، ومن هنا يأتي الخوف على بلاد العراق خزان العالم الثقافي والحضاري، ممثلاً بحضور كسير ونازف دونما سبب مقنع له، بينما هو الغني القادر المنتج والصالح، لممارسة الاندماج والارتقاء وتوليد المجتمع والدولة.
لقد فشل العراق، شعباً وسلطات (كما كل البدان العربية)، في بناء مجتمع معاصر قابل للبقاء، على الرغم من كل المفترقات التي مرّ بها، من ثورات وتيارات ثقافية وإبداعية وبترولية وزراعية، والتي تصلح لانطلاقة جديدة في تنافسيات هذا العالم المتحرك، ككيان معاصر غير قابل للفناء لأسباب عضوية في بنيته.
لا يهمّ اكتشاف أسباب الفشل، فالأسباب عبر التاريخ تتحول إلى ذرائع تذكارية، المهم هو الغالب والمغلوب في هذه الدراما الحضارية والتكنولوجية الشرسة، والمهم أيضاً أن نعترف به وألا نسامح أنفسنا بجلد الذات، فالعراق يحتاج إلى قيامة، والقيامة لا تتوفر في العقل المغلول، ولا في التأجيل المسمى بالعربية بالاستراتيجيات.
في هذا الزمان لم يعد وارداً ترك الشعوب لمصائرها، أو لما يمكن تسميته مرحلة ما بعد الانتداب، هذا الزمان هو أوان معاقبة الشعوب على تخلّفها، في فوضى خلاقة، تلد الكوارث، وتعمّم أنموذج الحجاج على الشخصية الاجتماعية، لم يعد المتخلّف سوقاً لماكينات الخياطة ماركة سنجر، ولا لسيارت فورد أبو دعسة، بل صارت سوقاً للسلاح الذي ليس له وظيفة إلا إنتاج الجثث والخراب، إذ على المنتحر أن يدفع ثمن الطلقة التي تقتله، ولم يبقَ الكثير من الوقت، فبوابات الفناء مشرعة لتبتلع المتخلف، دون أية شفاعة لحضارة قامت، أو ثقافة أُنتجت.
لم يصادف نهّابو العراق وقاتلوه مجتمعاً يدافع عن مصالحه، بل واجهوا سكّاناً ذوي حمية، يدافعون عن أعراضهم ومقدّساتهم وحياتهم، بعد تركهم الاستبداد عرضة للاستباحة، تركهم يخترعون هوياتهم الذباحة، كنصل رجيم، ينضح طائفية ومذاهب ومللاً ونحلاً وفوضى، فمن أين أتت كل هذه الثقافة، إذا لم تكن تصنيعاً محلياً؟ لتقبع وراء سلوك لا يليق بالعراق وأهله ووجوده، من أين أتت والمطلوب الواضح والصريح والمعلن، هو تأسيس المجتمع الحديث المولّد للدولة، كي يقف العراق بموارده وذخائره الثقافية، معلناً قيامته، مجتمع المساواة المدسترة حقيقةً.
طبعاً نحب العراق، فهو بعض منّا أفراداً وجماعات، وطبعاً يهمّنا مصيره فهو بعض من مصيرنا، وطبعاً نتألم من مصابه، فهو مصابنا تماماً، ولكننا (ونحن العرب جميعاً لسنا أحسن منه بشيء) عاجزون تماماً عن تعريفه أو التعرّف إليه، فهذه ليست صورته في دواخلنا، فهو ليس فقط حمورابي وماني، ولا أبو نواس والجاحظ، وليس منحوتات الآشوريين ومنارة سامراء، وليس السمك المسكوف وعرق التمر، ولا ناظم الغزالي أو نصير شمة، ولا بدر شاكر السياب أو نازك الملائكة، وليس هو عرائس الموصل الجميلات، ولا صابونة عطور الرائعة التي كانت تنقلها باصات شركة «نيرن» إلى الشام، وليس اللاجئين السياسيين الذين عرفناهم، بل هو ناس وبشر من لحم ودم وعقل وعواطف وأمل وحقوق وواجبات، يستحقون العيش والكرامة، لقد فقأ الاستبداد جرح العراق وعينيه، وتركه كسيحاً على رصيف محطة، لا يستطيع المغادرة... ولا البقاء.
ليس للعراق تعريف، فهو كثير جداً، صعب على الإلمام، كما هو صعب على الهوية، مثل أشقائه الأشقياء، ربما كان شوقاً لا يعرف الاكتمال، ربما كحل في عين، أو شفة ترسل قبلة، ربما طيور طايرة، أو شرداق في شارع الرشيد، ما هو العراق؟.... من يدري! ولكن الحجاج لا يليق به.

* سيناريست سوري