أكثر من ثلاثة عقود تفصل بين إعلان بيل ويذرز (1938 ــ 2020) اعتزاله الغناء والموسيقى، وبين رحيله قبل أيّام جرّاء مشاكل في القلب في لوس أنجلس. غياب لم يؤثّر في انتشار ورواج أغنياته طوال تلك الفترة مثل Lean on Me، وLovely Day، وAin’t no Sunshine وJust the Two of Us التي صدرت منها نسخات عديدة بأصوات مغنين آخرين، وإن كان أيّ منها لم يبلغ صوت ويذرز العميق والعاطفي الذي كان سبباً أساسياً في الوصول إلى قلوب الملايين حول العالم. ومع كلّ كارثة كان يواجهها العالم، كانت تتمّ العودة إلى أغنياته، وتحديداً Lean on Me ، كما حصل أخيراً مع انتشار فيروس كورونا، حيث حلّت الأغنية كنشيد للتضامن والوحدة بعدما صدحت من بيوت الناس في الحجر المنزلي وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي كتضامن مع الأطباء والممرّضين في المستشفيات.

نال مغني السول الأميركي ثلاث جوائز إيمي عن أعماله وأغنياته خلال رحلته الموسيقية القصيرة التي بدأها في نهاية الستينيات وأنتج خلالها تسعة ألبومات موسيقية. بداية ابن فيرجينا الغربية لم تكن سهلة على الإطلاق، بسبب الفقر أوّلاً والعرقية التي قال عنها مرّة «كبرت على حقيقة أنني إذا دخلت بالخطأ إلى حمّام للنساء البيض، فسيكون مصيري أن أخسر حياتي». بعدما اشترى غيتاراً، كتب ويذرز أغنياته ولحّنها حين كان لا يزال يعمل في مصنع لقطع الطائرات، قبل أن يبدأ بالغناء مقابل بدل زهيد في إحدى حانات أوكلاند. إلا أن تجربته الموسيقية الفعلية انطلقت حين وقع أحد الشرائط المسجّلة بصوته بيد المدير التنفيذي لشركة «ساسكس ريكوردز» كلارنس أفانت، فاستدعى ويذرز على الفور لتسجيل ألبومه الأوّل Just As I Am سنة 1971. ضمّ العمل أغنية Ain’t No Sunshine التي تحمل تأثّرات بموسيقى الغوسبل وذاكرته في الكنائس الأفرو أميركية، محقّقة نجاحاً شعبياً ونقدياً كبيرين، فيما نال عن الألبوم بأكمله «جائزة إيمي» عن أفضل ألبوم R&B سنة 1972. السبعينيات كانت فترة الذروة بالنسبة لويذرز. حقّق أيضاً نجاحاً كبيراً مع ألبومه الثاني Still Bill الذي أصدره بعد عام واحد من ألبومه الأوّل وحوى أغنيات مثل Lonely Town, Lonely Street وLean On Me. علماً، أنه بقدر ما لاقت أعماله المسجّلة رواجاً، كانت أغنياته التي يؤديها ويعزفها مباشرة في الحفلات تنال الانتشار نفسه خصوصاً حفلة «كارنيغي هول» في نيويورك التي صدرت ضمن ألبوم مستقل Live at Carnegie Hall سنة 1973. السبب يعود بالطبع إلى أدائه البسيط وصوته العميق الذي يجعله يؤدي أنماطاً مختلفة من الموسيقى السوداء متنقّلاً بسهولة بين السول والفانك والغوسبل والبلوز، بطريقة يبدو معها حصر صوته بنمط معيّن اختزالاً فحسب. بعد عمله لسنوات مع «ساسكس ريكوردز»، انتقل ويذرز للعمل مع شركة إنتاج «كولومبيا ريكوردز». فترة عمله معها لم تكن معبّدة، فقد ظلّ يعاني معها من مشكلات وصدامات إلى أن انتهت مع ألبومه الأخير Watching You Watching Me سنة 1985 الذي واجه فشلاً مقارنة مع ألبوماته السابقة: Justments وMaking Music، وNaked & Warm، وMenagerie، وBout Love. وبخلاف الكثير من الفنانين الذين أعلنوا اعتزالهم وتراجعوا عن قرارهم لاحقاً، اختفى بيل ويذرز عن الأنظار نهائياً، وعن حضور المناسبات حتى كاد يظنّ جمهوره أن بيل ويذرز لم يعد على قيد الحياة منذ زمن. كل ذلك يعود إلى شركات إنتاج الموسيقى في أميركا، التي لطالما جاهر برأيه النقدي اتجاهها وبالظلم الذي تلحقه ببعض الفنانين على حساب آخرين. هكذا لم يظهر مجدّداً إلا سنة 2015، خلال احتفال انضمامه إلى مع «هول أو فايم للروك آند رول»، وقبلها في شريط وثائقي عن حياته عام 2009 بعنوان Still Bill، الذي أعاد فيه الحديث عن أسباب اعتزاله قائلاً أنه لم يعد يجد دافعاً إلى التسجيل والغناء بعدما فقد الشغف بهذا المجال كليّاً. لم يكن عليه إلا العودة إلى حياة الرجل العادي التي كان يعيشها قبل انخراطه الموسيقي. هكذا تفرّغ في سنواته الأخيرة إلى حياته العائلية مع أفراد أسرته الذين نعوه في بيان جاء فيه «أهلكنا رحيل الزوج والأب المخلص. لقد كان إنساناً منعزلاً لكنه بقي مدفوعاً للتواصل مع العالم بأسره. من خلال شعره وموسيقاه توجّه بصدق إلى الناس ودفعهم إلى الارتباط ببعضهم البعض».