«الحمدلله تْحَرَرني» كانت لهجة تلك المرأة الجنوبية تصرخ في أذني تماماً. الفيديو الذي كانت تبثّه قناة «المنار» وقتها مراراً وتكراراً، وسرعان ما تلقّفته قنواتٌ كثيرةٌ، كان شديد الدهشة بالنسبة لي. كفلسطيني يسكنُ في ضاحية بيروت الجنوبية، كنت أعرف الكثير من الجنوبيين؛ لكن تلك اللهجة لم أسمعها من قبل. كانت لهجة ثقيلةً بعض الشيء، لافتةً قبل أيّ شيءٍ لجمال فطرتها، بساطتها، وبالتأكيد براءتها. الصرخة تلك مع رش الرز، العادة الشهيرة التي عرفناها عرباً احتفالاً بالفاتحين، كانت سمة تلك المرأة الجنوبية. كانت تحيّي سيارات يركبها أناسٌ لا تعرفهم شخصياً لكنها كانت تعرف أنّهم عائدون إلى حضن أرضهم ووطنهم، وأنّها بالتالي مثلهم، عائدةٌ إلى بلادها بعد سنواتٍ من الاحتلال القسري؛ ثم إن القسر لا يدوم.

حَملتُ حطّتي الفلسطينية وهرعت باتجاه منزل صديق من منطقة إقليم الخروب. قلت له لا بدّ أن نتوجّه إلى الجنوب المحرر. قال لي: إلى أين نذهب؟ أنا من الإقليم وأنت فلسطيني؛ إلى أين سنذهب؟ لم أنظر مطوّلاً إليه. قلت بسرعة بكل ثقة: «يلا بلا دلع، إذا ما رحت معي، رح أروح لحالي». وسرعان ما ركبنا سيارة أجرةٍ، نزلنا منها في صيدا، حيث ركبنا باصاً لا أعرف لمن، لكنه كان لجهةٍ أظنها مجموعة يسارية، لكنني لم أكن أعرفهم من قبل. إذ كانت الجماعات اليسارية كثيرةً في عام 2000؛ وكان لبعضها نشاطٌ كثيف في الجامعات والتجمّعات وسواها، وهو غير الحال هذه الأيام. أنشدنا كثيراً خلال الطريق، كل الأناشيد التي نحفظها، قلناها. كفلسطيني، أنت نبعُ أناشيد. هكذا ينتظر منك الجميع أن تكون: أن تنشد أغاني فرق مثل «العاشقين» و«الطريق» وسميح شقير والشيخ إمام ومارسيل خليفة وأحمد قعبور وأن تحفظها عن ظهر قلب. وفوق كل هذا أن ترتل على مسامع «الرفاق» قصائد شعر لسميح القاسم ومحمود درويش: باختصار كنتُ ما يجب أن يكون الفلسطيني بالنسبة إلى اليسار: مرتدياً حطّته، حافظاً أغنياته، مرتلاً قصائده، صادحاً بالعديد من الهتافات التي ألّفها. وبدأ الجنوب بالظهور أمامنا، كانت فعلاً أرضاً شديدة الجمال. تذكرت كلمات شاعر تركيا ناظم حكمت (قضى سنواتٍ طوال في السجن): «لهذه الأرض يحاربوننا، لهذا الجمال يريدون أن يختفي صوتنا، لا تعتقدوا بأنَّها شيءٌ قليل، نموت. نعيش. لتحيا». هو كتب هذه القصيدة تحيةً للثوار اليساريين الأكراد؛ لكن الكلمات لطالما ذكّرتني بفلسطين قبل أيّ شيء.
بدأنا نقترب من الضيع شيئاً، فشيئاً، وللمفاجأة حينما نزلنا، بدأت لهجة معظم الرفاق «بالتفتّح». غابت اللهجات البيضاء التي أعرفها؛ وكنت أسمعها منهم طوال الطريق: فخفت الطاء وأصبحت مخففةً كالتاء، فأصبحت «التريق» بدلاً من «الطريق»، وأنا المفتون باللهجات واللغات، بدأت أسألهم: «هيك بتلفظوها للطاء؟ بتخففوها؟» وهم يضحكون ويخبرونني أنها لهجاتهم الأصلية التي كانت المدينة - أي بيروت - قد أرخت بظلالها عليهم، فاستبدلوها بلهجةٍ مدنية/ بيضاء. سرحتُ كثيراً: هل حينما سنعود إلى فلسطين سنتخلّى عن لهجاتنا اليومية من المخيّم؟ كلنا في المخيّم نستخدم تقريباً لهجةً واحدة؛ لهجةٌ تسهّل على الآخرين لربما تقبّلنا. فلا كاف مكان القاف (فتصبح أقول له: أكول له)، ولا «جيم» معجّمة (تلفظ مثلما يلفظ المصريون حرف الجيم)، ولا كلمات لا يعرف السامع معناها مثل «ارمح» و«بعز» و«العجيان». اقتربنا من كفركلا وبوابة فاطمة، وكان مشهد الصهاينة غريباً بالنسبة لي. كانت تلك المرة الثانية التي ألمح فيها جنوداً صهاينة. أحدهم كان يطل برأسه وهو ينظر إلينا نظرة لم تكن واضحةً. حمل أحد الشباب بجواري حجراً ورماه به، كانت المسافةُ بعيدةً ولم يكن ليستطيع إصابته. نظر الجميع إليّ نظرة «أين الفلسطيني بيننا؟ أين رامي الحجارة»، في إشارة إلى انتفاضة عام 1987 (انتفاضة أطفال الحجارة)، وأنا الذي قضى حياته بين أرصفة المدن، كيف أرمي حجارة؟ أو حتى كيف أجيد ذلك؟ صحيحٌ أنك في المخيم تعود «مفشوخاً» ذات ليلة، لكن ذلك لا يعني أنني «معاز» (أي أرعى الماعز) وأجيد إطلاق الحجارة يمنةٍ ويسرة. تشجعت إثر النظرات حولي، أمسكتُ حجراً وكدتُ أطلقه، إلا أن شاباً ملتحياً لا يتجاوز عقده الثاني، كان إلى جواري أطلق حجره، فأصاب جوار الجندي العدو. تلك الإصابة وترت الأجواء إلى حدٍّ كبير، فأطلق الصهاينة رصاصاً في الهواء، مما فرّقنا، لكن حال تأكدنا أن الأمر لا يعدو «تهويلاً» عدنا لنغني «نكايةً» بذلك الجندي الخائف. جلسنا قبالته، تربعنا هناك، وظللنا نغنّي لأكثر من ساعتين، هتفنا كثيراً: «يا مستوطن عالحدود حضّر حضر ملاجئ بعده الكاتيوشا موجود ترجع عبلادك لاجئ». كان تعبير اللاجئ يقوله الشبان وهم ينظرون إليّ بشيء من حسرة؛ حتى إنني أذكر إحدى الفتيات قالت لي بشيء من أسى: بكرا بترجعوا ما تخاف. ابتسمت بوجهها، أكدتُ لها أنني لستُ بخائف. منذ ذلك الوقت، وأنا أدرك أن الأمر مسألةُ وقت: فلسطين ضربةُ حجرٍ أو أقل. عودةُ فلسطين مسألةُ وقتٍ لا أكثر. سنكون هناك، أنا وأولادي وأحفادي. وسنغني أمام ذلك الجندي الخائف، لساعاتٍ ولن نكون إلّا عائدين.