القاهرة | تمرّد آدم حنين (1929 - 2020) على كلّ شيء. كان حراً في كلّ اختياراته. كانت حياته تمثيلاً لرحلة بحث عن المعنى. وفي اللحظة التي وصل فيها إلى هذا المعنى للفن والحياة، قرّر أن يتخلّى عن الاسم الذي فرضته عليه العائلة (صمويل هنري)، ليختار اسمه الجديد آدم حنين. كان مثل الإنسان الأوّل على الأرض البكر، الذي يحاول أن يتكشف الأشياء، أن يصنع الوجود، أن يصنع المعنى.

مبكراً أدرك حنين أنه منذور للفن، عندما ذهب في رحلة مدرسية إلى المتحف المصري، ولم يكن قد تجاوز الثامنة. هناك نسي زملاءه وأساتذته وغرق في سحر الفن الفرعوني. توقف طويلاً أمام تمثال حتحور إلهة السماء والحب والجمال في مصر القديمة. وعندما عاد إلى منزله، استخدم قطعة الصلصال التي منحه إياها مدرس الرسم، لينجز أولى منحوتاته، صورةً مصغرةً للتمثال الذي شاهده. كانت البداية مجرّد لعب أطفال، ولكن اللعب استمرّ وتطوّر. رغم هذا الانبهار بالفن الفرعوني، إلّا أنه تمرد عليه. بعدما تخرّج في كلية الفنون الجميلة، سافر إلى الأقصر حيث أمضى عامين يدرس ويتعلّم وينحت ويقارن، وتحاصره الأسئلة: ماذا سيضيف؟ لقد أنهى الفنان المصري القديم كلّ ما يتعلق بالفن، والنحت؟


كان أمامه نموذجان: الفن الأوروبي، وتجربة محمود مختار صاحب تمثال نهضة مصر. سافر حنين إلى ألمانيا (1957) ليدرس أيضاً، ليتوقّف هناك أمام تجارب مهمّة مثل جياكومتي، برانكوزي، هنري مور، شادويك، والنحت الفرنسي. عبر هذه الأسماء، ألمّ بالجوهر النقي للنحت في لغته الحديثة، لكنه أدرك أيضاً أنه لا ينتمي إلى الفن الأوروبي، فهو ليس عالمه. اكتفى من الرحلة، رحلته الأوروبية الأولى بالدرس الأبرز: أن الفن ليس تجميلاً للحياة، وإنما هو الحياة نفسها.
وعندما عاد بعد عامين، حسم موقفه أيضاً من تجربة محمود مختار: «بلور لنا أفكاراً مهمة في الفن والنحت، وفتح أعيننا على الروح المصرية، لكنّه ذهب أكثر إلى أوروبا، بخاصة الفن الروماني». بعد عودته من ألمانيا، عمل شهوراً عدة في الصحافة في مجلة «صباح الخير» بصحبة صديقه صلاح جاهين زميله في كلية الفنون الجميلة. في تلك الفترة، أنجز رسومات ديواني جاهين «الرباعيات»، و«عن القمر والطين».. وهي تجربة لم تتكرر في ما بعد.

بعدما حصل على منحة تفرّغ من وزارة الثقافة، قرّر أن يتجوّل في ربوع مصر في محاولة ليس فقط للتعرف إلى المكان وخصائصه وإمكانياته ومفرداته، ولكن أيضاً ليتعرف إلى ذاته. في هذه الرحلة، قرر حنين ألّا يسلم نفسه للنمط المصري القديم أو أن يقع في فخ مختار، بل ينبغي أن يعيش زمنه. لم تكن تعنيه الحداثة الأوروبية بقدر اهتمامه بما أسماه الجوهر، فالحداثة موجودة في كل زمان. ومن هنا، بدأ في استلهام تراث الفن الشعبي المصري: من التراث القبطي والإسلامي، في الجوامع والكنائس والقصور الملكية، وفي القلاع والحصون، وأيضاً في التراث الأدبي السردي، وبخاصة الملاحم والسير الشعبية. قال لنفسه: «ما دام لديّ هذا التراث الخصب، لماذا ألجأ إلى الغرب؟».
استلهم التراث القبطي والإسلامي، كما التراث الأدبي السردي، وبخاصة الملاحم والسير الشعبية


وفي تجواله وصل إلى أسوان. هناك أدرك أنه ولد من جديد، فقرّر الإقامة بعدما تعلّم درس حياته. كان قد شاهد في لحظة غروب الشمس عصفوراً يقف على عود بامبو يطفو على مياه النيل. بدا العصفور كأنّه يكلم نفسه. في تلك اللحظة، أدرك حنين أنه يبحث عن الخفة في الفن، وأنّ سحر الفن المصري القديم ـــ رغم ضخامة تماثيله ـــ يكمن في تلك الخفة. كان هذا ما يبحث عنه: «روح الفن الفرعوني ومقاييسه واقترابه من التجريد، وعبقريته في التحرر من الكتلة والتخفف من الثقل مهما كانت ضخامة التمثال أو المنحوتة. لدينا مثل شعبي مصري يقول خف تعوم، وكذلك خير الكلام ما قلّ ودلّ، أي كلما قلّت الكتلة، وقلّت التفاصيل كلما زاد المعنى في العمل الفني». ربما تكشف هذه الرؤية عن صوفية كامنة في منحوتات حنين... صوفية الحجر. في أوائل السبعينيات، قرر حنين أن يخوض مغامرة جديدة. سافر إلى فرنسا للمشاركة في أحد المعارض، وهناك اشترى منه عالم النفس المصري مصطفى صفوان أحد تماثيله، ولا يزال يحتفظ به في شقته الباريسية. وبهذا المبلغ، قرّر حنين ألّا يغادر فرنسا. بقي هناك عشرين عاماً، تنقّل خلالها للإقامة في بعض مدن أوروبا وتحديداً في روما.


كانت باريس مدينة الجن والملائكة، حيث الفن «على قفا من يشيل»، ومتحفاً مفتوحاً للفن. حررته المدينة تماماً من الانسحاق أمام سطوة الفن المصري القديم. إلى جانب الخبرة التقنية، اكتسب سمة المعاصرة، بحيث لا يصبح مجرّد نسخة باهتة من الفن المصري القديم، فكان اتّجاهه إلى البساطة بحثاً عن الخلاصة. رحلة طويلة كانت محصّلتها: «برهان على صدق ميزاني الفني النابع من بيئتي وتراثي الحضاري العريق».
في باريس، عاش كفنان محترف. أدرك هناك «فكرة الفن الذي يمثل قوة تتجاوز العابر في المحيط الزمني، ويسمو نحو الأبدية. ولذلك ركّز في فنه على الأساسي والجوهري والباقي، وهو ما نلاحظه في تماثيله التي تميزت بالتماسك في كتلتها بين الأجزاء، وتميزت كذلك بالصفاء وباستبعاد العناصر العرضية. أما التفاصيل في تماثيله، فكادت أن تظهر مجرّد تلميحات فائقة التبسيط، وكانت دائماً تظهر الصفة المميزة للموضوع سائدة ومكثفة، بشكل يستحوذ على وجدان المشاهد» على حدّ تعبير الناقد محسن عطية.

عاش حنين ما يقرب من عشرين عاماً، لكن الإقامة في شقة باريسية تضطر الفنان لخيانة النحت، والاكتفاء بالرسم، فالنحت لا يعيش في الأماكن الضيقة. لذا كان قراره بالعودة لتأسيس سيمبوزيوم النحت في أسوان وهو ملتقى فني للمصريين والأجانب يُقام كل عام في 25 كانون الثاني (يناير) حتى 15 آذار (مارس). وكان يهدف من خلاله إلى إحياء فن النحت القديم ومعايشته بالحديث، واحتكاك الفن المصري بالأجنبي. وقد اختار أسوان مكاناً دائماً للسيمبوزيوم ليس فقط بسبب ما تحتويه من جبال من الغرانيت، ولكن لأنها المدينة التي تلقّى فيها درسه الأهم في الفن: الخفة التي لا تتعارض مع الرسوخ، المدينة التي فتحت عينيه على معجزة الفن المصري القديم وسحره، الذي يبدو ثقيلاً وضخماً، لكنه في الوقت نفسه خفيف كما كان يكرّر دائماً.


لقد خلق الله سيدنا آدم عارياً
يعشق آدم حنين المنمنمات الهندية، والرسم على أوراق البردي، ويكره أماكن العرض المغلقة والغاليريهات، يعتبرها جنائز كاثوليكية باردة، ولهذا يفضّل أماكن العرض المفتوحة في الصحراء أو الحدائق. من هنا، كان ينحت تماثيله في صحراء أسوان ويتركها كمتحف مفتوح. كما جمع ما يقرب من 4000 آلاف تمثال ولوحة ليؤسس بها متحفه الخاص في الحرانية بالقرب من الأهرامات الثلاثة. «حارس الأفق» أول ما يستقبلك في متحف حنين تمثال ضخم يشبه أبو الهول، لكنه يضع يده بمحاذاة جبهته ويحدق في الأفق كأنه يحرس التاريخ ويستطيع رؤية المستقبل. وعلى مسافة من حارس الأفق تقف «سفينة نوح»، مركب ضخم من الغرانيت، على أحد جانبيها نُقش اسم «عفاف حب الله الديب» زوجته الراحلة التي جمعته بها قصة حب كبيرة، ربما تقترب من قصص الحب الشهيرة، ولكنه يحتفظ بأسرار تفاصيلها مع القليل من أصحابه. المركب الغرانيتي الضخم تجسيد لهذا الحب.. هو المركب الذي حملها إلى الأبدية، وإلى الجانب الآخر تمثال لأم كلثوم. منحوتات تعبّر عن تجربة حنين، سعى فيها إلى ما يسمّيه النحت الصافي أو الحقيقة العارية: «لقد خلق الله سيدنا آدم عارياً» كما يقول. يتكوّن المتحف من ثلاثة طوابق وقد بدأ تأسيسه منذ عام 1986. بدأ بتبرع ألفي جنيه من الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل وقام بشراء قطعة الأرض التي أسس عليها المتحف. وفي عام 2007، أطلق حنين مؤسّسة باسمه للحفاظ على التراث ضمت وزارة الثقافة كعضو مؤسس، بالإضافة إلى جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين. كما قام بتسليم حوالى 4000 عمل فني للمؤسسة، ووهب أمواله وأعماله والأرض المقام عليها المتحف للمؤسّسة، بالإضافة إلى بنائه المتحف على نفقته الخاصة. وكان الخوف من النسيان والضياع هو الحافز الرئيس الذي دفع حنين إلى التفكير في تأسيس المتحف.