هناك دائماً ما يذكّر بالماضي في حالة الأفارقة الأميركيين. إذ أردنا أن نستعير كلمات الكاتب جيمس بالدوين، فإن التاريخ هو الحاضر، وغالباً لن تكون العودة إليه واستذكاره والمكوث إلا خياراً محتوماً بالنسبة إلى أبناء الجلد الأسود في أميركا. مثلاً يمكن للتاريخ أن يتكرّر على شكل العبارة المختنقة إياها «لا أستطيع التنفّس» لكن بصوتين مختلفين: واحد لإريك غارنر، وآخر لجورج فلويد. قُتل الرجلان في الشارع على يد عناصر الشرطة البيض. ماتا اختناقاً. صوّرتهما عدسات المارّة من هواتفهم الذكية. وتلت موتهما أعمال شغب ومظاهرات مستمرة اليوم. وبين الجريمتين، واصلت الأعمال الفنية، وموسيقى البوب الاحتجاج بطريقتها الخاصّة، مثل استعادتها الدائمة للإرث الفني الأفريقي الأميركي كسبيل آخر إلى كتابة تاريخ ظل محتلّاً من البيض. من جانب موسيقي، ليس انخراط الأغنية السياسية والنضالية مستجدّاً. تطلق الأكاديمية في الدراسات الأفريقية الأميركية دافني بروكس «العصر الذهبي لأغنية البوب الاحتجاجيّة» تزامناً مع حركة Black Lives Matter. الحركة التي انطلقت أولاً كهاشتاغ على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2013 لدى مقتل ترايفون مارتن، تبلورت لاحقاً في أفكار سياسية وثقافية ترفع الصوت الأسود في العالم بتصدّرها وتوحيدها للحركات الاحتجاجية. تجد بروكس روابط كثيرة بين التجارب الموسيقية المعاصرة، وبين أربعة قرون من الاحتجاج والفني والأدبي الأسود، منذ أغنية البلوز الأولى التي رافقت العبيد. حتى أغنيات الغوسبل ودعواتها للإله لم تكن إلا سعياً إلى التخلّص من الواقع الأميركي والنجاة منه. ولأن الماضي حاضر دائماً، فإن الأعمال الفنية والشعبية المعاصرة، ستظلّ سياسية بكلّ المعاني، خصوصاً في تناولها وتظهيرها للعرقية الحالية الكامنة في السجون الأميركية، والقتل السهل في الأحياء السوداء من قبل الشرطة، والصورة الأميركية البرّاقة في الإعلانات والسينما. لكن لدى هذه الإنتاجات الفنية صراع آخر، خصوصاً في مواجهتها للسوق الفنية والشركات التي تلهث خلف أعمال معقّمة سياسياً


«أنا لست زنجيك»: جيمس بالدوين اليوم


• «لا أحد ممن كانوا يظهرون على الشاشة يشبه والدي»، هذه ملاحظة بديهية، يشير بها جيمس بالدوين إلى بداية الشرخ في وعي الأفارقة الأميركيين، لدى رؤيتهم أبناء الجلد الأسود على كل الشاشات المحيطة. في فيلمه «أنا لست زنجيك» (2016)، ينطلق المخرج الهاييتي راوول بيك من مقالة بالدوين الطويلة في كتابه غير المكتمل «تذكّر هذا البيت». صوت صامويل إل جاكسون يتلو علينا مقاطع من نصّه وأفكاره التي تذهب إلى ما وراء تيّارات السود المختلفة وأساليب النضال العنيفة والسلميّة التي اختلفت بشأنها القيادات السوداء. يتنقّل الكاتب والروائي الأميركي في نصّه بين ذكرياته الشخصية عن اغتيال ثلاثة من قادة حركة الحقوق المدنية الأفرو أميركية: مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ وميدغار إيفرز. أهميّة الشريط تكمن في وضع كلمات بالدوين وتأملاته في سياق الجلجلة المعاصرة للأفارقة الأميركيين مع نظام الشرطة الحالي، إذ أنه يصلها بلقطات للمظاهرات الحديثة التي تلت حركة Black Lives Matter. كلماته الحادّة تُظهر الجانب الآخر من صورة أميركا البرّاقة وأفكارها القاتمة التي ما زالت تعزل ملايين الأرواح التي عمّرت وبنت أميركا. برفقة الصور التي أنتجتها الشاشة الأميركية خلال عقود، ومقتطفات من المقابلات، نستمع إلى رعب الهويّة السوداء في أميركا، تاريخها، تمثّلاتها على الشاشة البيضاء: «قصّة أميركا هي قصّة الزنوج في أميركا، وهي ليست قصّة فاتنة على أيّ حال»، يقول بالدوين.

بيونسيه وحركة «الفهود السود»


• شابات ونسوة سمراوات يندفعن إلى الملعب الرياضي، يرقصن وراء المغنية بيونسيه خلال عرضها السنوي Show Bowl. على رؤوسهن وشعورهن الأفريقية قبّعات تذكّر بإحدى أكثر اللحظات الحاسمة والراديكالية في التاريخ الأفرو أميركي، أي صعود حركة «الفهود السود» في الستينيات. في حفلتها الراقصة والاستعراضية، وجّهت بيونسيه تحيّة إلى المنظّمة المسلّحة السوداء في الذكرى الخمسين لإطلاقها وسط حركة الحقوق المدنية. تلك الحفلة الشهيرة كانت أكثر المواقف السياسية وضوحاً التي أدّتها بيونسيه، لكنها بالطبع لم تكن الأولى. تزامنت الحفلة مع إطلاق بيونسيه الأغنية الأولى من ألبومها «ليموناضة» (2016) وهي Formation. حوى الألبوم مواقف سياسية وجندرية وعرقيّة كثيرة. ألبوم سياسي بامتياز في تجربة بيونسيه الطويلة، التي تعبّر عن كل ذلك خلف صورة جميلة ممتعة، وتجاريّة. في Formation، التي لا يمكن فصلها عن فيديو الأغنية، قدّمت بيونسيه تحيّة للأجساد السوداء في مواجهة الشرطة الأميركية، وخصوصاً أجساد النساء. تحتفي الأغنية أيضاً بثقافة نيو أورلينز السوداء وإرثها الموسيقي والأدبي، وبالقادة الراديكاليين مثل مالكوم إكس، وبجمال الأنوف الأفريقية، والبهارات الحارّة ذات الدلالة إلى المطبخ الأفريقي. مواقف اجتماعية واقتصادية وثقافيّة كثيرة، تمرّدت فيها بيونسيه لا على الثقافة البيضاء في أميركا فحسب، بل على معايير السوق الفني وتفضيله لأعمال معقّمة سياسياً. هكذا لم يكن مستغرباً أن تدفع الثمن المباشر لخياراتها الفنية/ السياسية حين غاب اسمها عن «جوائز الغرامي» التي كان ألبومها قد رشّح إليها.

«فاكهة» هانك ويليس توماس


• لا يترك هانك ويليس توماس صورته نظيفة تماماً. الفنان الأفريقي الأميركي يضفي عليها عناصر كثيرة تنكأ زوايا وأحداث مظلمة من تاريخ البلاد. يبدّل بذكاء الإطار العام لصوره وتجهيزاته الفنيّة المستلهمة من لغة الإعلانات المثاليّة، وصور من الثقافة الشعبية في الأفلام الهوليوودية. هناك عناصر كثيرة تجعل من صوره مطابقة للافتات التسويق للسلع والأحذية الرياضية، لكنها ينزلها إلى الواقع بإضفاء مشنقة أو جنزير من تلك التي كانت تُربط بها أقدام وأرجل العبيد في حقول القطن. أعمال ويليس توماس، أشبه ببحث بصري مفاهيمي في تمثّلات الجسد الأسود وتطوّره في الثقافة البصريّة الأميركية. في مجموعته «فاكهة غريبة» يستعير عنوان الأغنية التي أدتها بيلي هوليداي بصوت حزين كتحية لجثث السود المعلّقة على شجر الجنوب الأميركي. يستعين بأجساد لاعبي كرة السلّة التي لا يمكن إلا أن تذكّرنا بالماركات الرياضية الشهيرة لنجوم الـ NBA السود الذين اقتحموا عالم تجارة الإعلانات مثل مايكل جوردان. الإعلانات هي إحدى الحالات المتطوّرة التي قبع فيها الجسد الأسود أخيراً، إذ تزامنت مع التغنّي المستجد بجماله في التسويق فحسب. هكذا يقدّم صوراً لقفزات الرياضية ولضربات كرة السلة، التي يحاول اللاعبون تسجيلها في مشنقة وليس في سلّة.

أيقونات الجمال الأسود لكيندي وايلي


• 0لا يتنازل الرسّام النيجيري الأميركي كيندي وايلي عن أيّ من السمات الجمالية للجسد الأسود. في بورتريهاته العملاقة للمشاهير السود في العالم، أو للشبان والشابات العادييين، يقدّم خطاباً سياسياً واضحاً يقلب فيه معايير الجمال والقوّة والصفات التي لطالما ارتبطت بالجسد الأبيض. رغم ابتعاده عن أي إشارات سياسية واضحة، فإن اشتغاله الجمالي البحت على الألوان الفاقعة والزخرفة في الخلفية والدقة في التأليف يجعل من لوحاته الأيقونية سياسية بامتياز. كأنه يحاول أن يحجز مطرحاً لجسد الأسود في الثقافة البصريّة العالمية.
هكذا يظهرّ الجسد الأنثوي والذكوري، الأرداف التي تعبّر عن كامل امتلائها في اللوحة، مغنِّي الراب بثيابهم وأزيائهم، وبعض السياسيين مثل البورتريه الشهير لأول رئيس أميركي أسود باراك أوباما، بالإضافة إلى أناس عاديين يحوّلهم وايلي بريشته إلى قديسين وفرسان ومقاتلين في الصراعات المعاصرة.

«عندما يروننا»... سيرة موجزة للقضاء


• بدلاً من القتل، تتوقّف المخرجة الأميركية آفا دوفينراي عند السجن كمصير محتّم للسود الذين تكتظّ السجون الأميركيّة بأجسادهم. الأمر يتجاوز نظام الشرطة وحده، ويشمل النظام القضائي، خصوصاً في بعض الولايات الأميركية التي تعلن انحيازاً عرقياً بلا مواربة. مسلسل «عندما يروننا» الذي عُرض على نتفليكس السنة الماضية، يستعيد حادثة سنترال بارك نهاية الثمانينيات، بعد ثلاثة عقود على حدوثها. الحادثة ليست تفصيلاً في التاريخ الأميركي، لكنها تصلح لأن تروى كحكاية شعبية أميركية حديثة. أبطالها حقيقيون ومعظمهم لم يكن قد تجاوز الثامنة عشر من عمره حين وجد نفسه ذات ليلة متّهماً باغتصاب الشابة البيضاء تريشا ميلي في حديقة سنترال بارك في نيويورك. تقدم دوفينراي بورتريهاً شخصياً لخمسة شبان أفارقة أميركيين ومكسيكيين. نرى كيف تبدّلت حيواتهم، وكيف جُرّموا واعتقلوا ليتبيّن بعد سنوات أن التهم باطلة، حين اعترف المجرم الحقيقي بجريمته بعد مرور سنوات. كلّ الوقائع حقيقية في الشريط، منها حضور رئيسة قسم الجرائم الجنسية في شرطة نيويورك السابقة ليندا فيرستين التي أصرّت على تلفيق التهم للشبان بعد احتجازهم (رفعت فيرستين دعوى قضائية على المخرجة والكاتبة ونتفليكس). اللافت في مسلسل دوفينراي القصير هو إشاراته المتكرّرة إلى النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يغذّي الشعور بالخوف لدى الأفارقة الأميركيين. الخوف الذي دفع بعائلة أحد المتهمين إلى إجباره على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، خوفاً من أن يفقد الأب عمله. رغم كلّ النجاح الذي حقّقه العمل في التمثيل والإخراج والسيناريو الذي يظهّر رواية الشبان التي غيبها القضاء الأميركي طويلاً، إلا أن المسلسل تم تجاهله تماماً في حفلة جوائز الغولدن غلوب.

مستودع العنف والرصاص


• في «هذه هي أميركا» (This is America)، قدّم الممثّل والمغنّي الأميركي تشايلديش غامبينو (دونالد غلوفر) استعارة قاتمة عن أميركا، تمثّل في فيديو الأغنية المكثّفة. حملت الأغنية خطاباً سياسياً فجّاً، من دون التنازل عن الجمالية البصريّة للعمل. فيديو الأغنية يقدّم الجسد الأسود في مواضع ومراحل مختلفة، منها ما يتقاطع مع تنميطات الميديا عن أصحاب الجلد الأسود واستعدادهم المتواصل للرقص وتقديم الفرح. غير أن الموقع الذي تركّز عليه الأغنية هو الجسد بوصفه هدفاً ثابتاً لرصاص الشرطة الأميركية. تقدّم الأغنية، صورة جميلة وراقصة، تخفي أجواء أوكاليبتية وترميزات إلى أزمان عدّة في أميركا: العنف، الشغب، سيارات الشرطة، أحصنة تجتاح الفضاء الصناعي حيث صوّر العمل، تفجيرات الكنائس السوداء منتصف القرن الماضي، المخدرات، قوانين جيم كرو. يتنقّل الجسد الأسود بين الرقص والموت، من خلال إحالات إلى رموز ثقافية عدّة منها مايكل جاكسون، والرقصات الأفريقية التي يؤديها غلوفر برفقة فتيات وصبية بثياب مدرسية وتأتي كفواصل بين مشاهد القتل السهلة والمباشرة في الشريط.