تكوّم الثلج في رفيّ البراد. لا بدّ أنه نما بفضل خلوّ في الداخل. في أماكن لم يكن ليتراكم فيها لو أنها كانت ممتلئة. كان الثلج سيأخذ شكل العلب والقناني والصحون، وسيكفّ عن التمدّد عند حدودها. مثلاً، لم يتكاثر الثلج في الطبقة التي فيها ربطة خبز وبعض الأغراض. منحتنا الصور مجالاً للتحديق بالزوايا المخفية من البرّادات، حشرت رؤوسنا وعيوننا داخل ما كان أبناء البيت وحدهم يستطيعون الوصول إليه. هم يقفون إلى جانبها في الصور، باستثناء لقطة ترك فيها أحدهم باب البرّاد مفتوحاً بمفرده، فيما صادف وجود طفل إلى جانبه، ولقطة أخرى تدير امرأة وجهها عن الكاميرا، بينما تسند بيدها باب البرّد. أمّا الآخرون ممن ظهروا، فإن وجوههم لا تقول شيئاً محدّداً. عيونهم مصوّبة إلى الكاميرا فحسب. وأحياناً ينظرون إلى البراد، بحركة تبدو تهرّباً، لأنه يستحيل أن يكون قد غاب عن بالهم ما في داخله. إنهم وافقوا على التصوّر بسبب هذا الفراغ بالتحديد. سمحوا للمصوّرين بالدخول إلى بيوتهم، من المطابخ، ومن أحد أكثر مساحاته خصوصيّة أي البراد. التحقيق المصوّر نشرته الوكالة الفرنسية قبل أيّام حول الأزمة الاقتصادية في لبنان «وغرق شرائح كاملة من المجتمع في الفقر» من خلال تصوير البرادات الفارغة لعائلات لبنانية. أربعة مصورين هم جوزيف عيد وأنور عمرو وإبراهيم شلهوب ومحمود زيّات بحثوا عن البرادات الفارغة لدى بعض العائلات في بيروت وطرابلس وصيدا وجونية وجبيل. هذا ما تفيد به المعلومات عن التحقيق المصوّر الذي انتشر بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي للدلالة على حجم المأساة الاقتصاديّة في لبنان. ولو تجاهلنا أسماء المصوّرين في الأسفل، فإن الصور تعطي انطباعاً بأنها أُخذت بعدسة واحدة حيث الإطارات مقرّرة مسبقاً. نتنقّل في ديكورات مختلفة للمطابخ، وأحياناً يظهر البرّاد في مساحة غير مكانه المعتاد، في غرفة الجلوس كما يشير الأثاث حوله.

كلّ من يقف أمام الكاميرا في العادة يأمل من الصورة أن تُظهر خصوصيّته وفرديّته، ولو أن ذلك يستحيل حصوله في لحظة واحدة. في رأسه أمنية أن تقوى الصورة على التعريف به لدى المتفرّجين، أو أن تخلّد لحظة استثنائية أو عادية من حياته. تتفاوت هذه الرغبة بين الصور الشخصية بعدسات الهواة التي تتيح التكرار مراراً من أجل الوصول إلى ما يريده الواحد، وبين لقطات المصوّرين المحترفين. يأخذنا هذا إلى السؤال عن كيفيّة تشكّل الهويّات في البورتريهات المصوّرة، خصوصاً في اللقطات المحترفة. للمصوّر وعينه دور في ذلك، أن يجمع ما يراه هو مشتركاً بين أشخاص لم يلتقوا من قبل ربّما. قد ترضي هذه الصور الشخص المعني أو ذائقة المتفرّج، إلّا أن ذلك لن ينفي السطوة العنيفة في سعي المصوّر للوصول إلى الصورة التي يطمح إليها. لا يخفى أن الجوع أو الفقر هما المأساة المشتركة التي تسعى هذه المجموعة إلى التعبير عنها. لكن لدى تصويرها وعرضها، هناك ما يجعل من هذه الحالة تبدو كهويّة أحاديّة محتّمة لهؤلاء.

مهما كانت البيوت هشّة، نخالها قادرة على الحماية، أقلّه في وجه الداخلين

كأنهم أسرى هذه اللحظة من حيواتهم، حيث جُرِّدوا من كلّ ما عداها، خصوصاً أن أمامهم إطاراً واحداً لا سواه للمثول بداخله وهو يشتمل على الحالة التي وصلوا إليها في ظروف لا إراديّة أيضاً. تخبرنا ثيابهم، أو بعض الديكورات الموزّعة على الجدران بأديانهم، وربّما بأدوارهم في البيت، نعرف من هم الأولاد ومن هم الأهل. غير ذلك تبدو معرفة هؤلاء متعذّرة بعيداً عن الفراغ في برّاداتهم. هناك من مرّر لنا هذا الخواء. من قرّر، أن يشاركنا الداخل ما إن وطئت قدمه عتبات البيوت. مهما كانت البيوت هشّة، نَخالُها قادرة على الحماية، أقلّه في وجه الداخلين. ننتظر طرقة واحدة. نتوقّع أن نُعطى مجالاً لتخيّل هذا الداخل قبل رؤيته من دون استئذان. وفي هذه المجموعة الفوتوغرافية، رأينا كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه. لقد شاركنا في هذه الاستباحة ما إن وقعت أعيننا على الصور، ورحنا نتمادى في التمعّن في القليل الذي في البرادات، ولو أن التقرير يؤكّد موافقة هؤلاء على تصوّرهم بهذه الوضعيّة.
لا تعني هذه الصور الوجوه التي في اللقطات فحسب. تعنينا أكثر كمتفرّجين، بمجرّد أننا أعطينا الحقّ برؤية مآسيهم التي قد تبدو للبعض مجرّد مصير محتم. الصور هنا هي هذا الوقت القليل الفاصل بين سقوط وآخر. أحدنا يسقط قبل الآخر، قبلنا نحن الذين كان لدينا ترف رؤية شكل المجاعة أوّلاً، من خلال آخرين. هل كان علينا أن نرى برادات العائلات لنصدّق هذا؟ رغم هذه المأساة المتجسّدة أمامنا بكامل فجاجتها، فإن هناك ما يبقى ناقصاً في الصور. ناقصاً بالنسبة لنا نحن الذين نتفرّج. إننا نشاهد فحسب، وبإمكاننا أن نعلّق ونستنكر وندين كرغبة في تعويض عجزنا عن التدخل، الرغبة البائسة نفسها التي دفعتنا إلى كتابة كل هذا.