تونس | «كل ما تحتاجه لصناعة فيلم جيد هو حديقة، ورجل شرطة وفتاة جميلة» مقولة لتشارلي شابلن وافقه فيها المخرج الفرنسي السويسري جان لوك غودار، أحد مؤسسي الموجة الفرنسية الجديدة خلال فترة الستينات، فقال: «كل ما تحتاجه لصناعة فيلم هو مسدس وفتاة جميلة». أما في تونس، فكل ما يحتاجه صنّاع السينما والتظاهرات السينمائية هو الإمكانيات والمبادرات والأفكار الخلاقة للإنتاج. في فلك ذلك تدور تظاهرة «السينما في حومتنا» تحت شعار «شاشات كبار بإيديات صغيرة» لغاية الثاني من أيلول (سبتمبر) المقبل. انطلقت الفكرة سنة 2015 في منطقة دوار هيشر ومنطقة العقبة في تونس العاصمة تحت عنوان «جيب كرسيك وايجا». ثم تحولت إلى تظاهرة امتدت إلى مختلف المناطق والأزقة في كل الولايات، حيث الشاشات المعلقة في الأحياء وضحكات الأطفال ممتزجة بفرحة الحصول على الجوائز وتعلم تقنيات وأساليب جديدة في الإنتاج وإرساء ثقافة السينما لديهم. تلك هي أهم أهداف سينما الشوارع.

لذلك، وضعت التظاهرة نصب عينيها الاهتمام بتدريب ما يقارب 60 طفلاً من تلامذة المدارس الابتدائية في كيفية صناعة الأفلام واستخدام تقنية stop motion من خلال ورشة «إيديات صغار». تشرف على هذه الورشات التي انطلقت قبل شهر، مجموعة من المتخصصين في المجال، وتقوم الورشات على معطى مهمّ وهو عامل التوزيع الجغرافي بين الشمال والجنوب والمدن الساحلية التونسية. 
وسيكون الاختتام بعروض لأفلام ستجوب الأحياء في 12 ولاية تتخللها نقاشات، ناهيك بأن أفلام التحريك التي ينجزها الأطفال ستكون ضمن برمجة العروض. ولعل فكرة انتقال السينما إلى الأحياء يهدف إلى الارتقاء بالذوق العام والترغيب بالسينما والاقتراب العاطفي والنفسي والجغرافي من الأحياء والمدن بعيداً عن سطوة المركز.
ولم يقف مشروع «السينما في حومتنا» عاجزاً أمام الحجر الصحي في تونس عند عراقيل التنقل والأزمة الصحية، إذ أطلق تظاهرة «فلّم في دارك» أي أنّه أنتج أفلاماً كخطوة أولى لسنة 2020 بدعم من «الجامعة التونسية لنوادي السينما» و«تفنّن تونس الإبداعية». اشتملت هذه التظاهرة على تدريب في شكل حلقات تبثّ يومياً مباشرة على المنصّات الرقمية للجامعة التونسية لنوادي السينما. وارتأى المنظمون التركيز على تقنية تحريك الأطر الثابتة ووضع مسابقة مفتوحة في صناعة أفلام التحريك بعدما قدّم مختصون دورات تدريبية عن بعد لهذا الغرض. وتم رصد جائزتين للمسابقة كانت الأولى جائزة لجنة التحكيم. أما الثانية، فهي جائزة الجمهور وتقوم على التصويت لأفضل الأعمال.
اختتمت التظاهرة قبل شهر على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنحت لجنة التحكيم المكونة من عبد القادر القديدي وزياد بالعيفة من تونس وانجي مصطفى من مصر، تنويهاً خاصاً لكل من Hypocritical friends لمحمّد علي عتيق وTgangin لظافر أمين نصراوي من تونس، فيما حصل «كن نفسك» (BE YOURSELF) لصاحبته ندى شعبان من تونس على جائزة لجنة التّحكيم، وكانت جائزة الجمهور من نصيب  المصري فادي عماد عن فيلمه Stop Motion بعد التصويت على صفحة فايسبوك. 
فكرة سينما الشوارع في تونس والالتصاق بالجمهور، تعود للطاهر شريعة (1927 ـــ 2010) أو أب السينما كما يحلو للسينمائيين تسميته. وقد لعبت دوراً كبيراً في نشر ثقافة السينما في مختلف الجهات التونسية. وكان للطاهر شريعة الفضل كله في الإنتاج الثقافي والسينمائي، ومن هناك كان الدخول التونسي التدريجي إلى التجارب السينمائية. وقد أسهم أيضاً في تأسيس «الجامعة التونسية لنوادي السينما» سنة  1950 وترأسها ليقحم الشباب والمثقفين التونسيين في المجال ويترك وسماً حداثياً في السينما التونسية التي لم تطَلها الأنفاس الرجعية الظلامية. واليوم كانت عودتها مع مراعاة ما يعيشه العالم من تطور تكنولوجي بعد استبدال ارتياد دور السينما بوسائل أخرى تمنح المشاهد ما يريد وقتما يشاء، فيلجأ إلى الاستهلاك السينمائي السهل والتأسيس لقطيعة عززتها نتفليكس وقرصنة الأفلام. لذا، يأتي مشروع «السينما في حومتنا» كخطوة تسهم في خلق ديناميكية بعيداً عن البساط الأحمر وسينما ربطة العنق.

الطاهر شريعة أوّل من خرج بفكرة تقريب الفن السابع من العامة


أما بصفة خاصة في تونس، فيواجه المخرجون صعوبات في التمويل والتوزيع، ما يحول دون توافر كمية محترمة من الإنتاجات سنوياً على عكس مصر، رغم أن السينما بعد «ثورة 14 جانفي» 2011 شهدت طفرة وتعدداً في الإنتاجات وإقبالاً جماهيرياً محترماً على غرار فيلم «في عينيا» و«دشرة» و«قصر الدهشة» و«نحبك هادي» وغيرها من الأفلام التي أعادت المشاهد إلى الإيمان بالسينما التونسية والانخراط ضمن تظاهرات الفن السابع.
كما أن انغماس السينما التونسية في موجة سينما المؤلف والتعقيد الذي يشوبها، كان من أسباب نفور المشاهد، وهي موجة فرنسية ظهرت في خمسينيات القرن الماضي، وكان مانيفستو هذه الحركة ما قاله المخرج ألكسندر أستروك «إن السينما لغة مثلها مثل الأدب، وإن المخرج السينمائي عندما يخرج فيلمه، فإنه يتعامل مع الكاميرا، وهي أداته الأساسية، كما يتعامل الكاتب مع القلم». أما اليوم، فهناك في تونس مراوحة بين المؤلف والأفلام الروائية ليتخلص المشاهد البسيط من عقدة عدم الفهم ويجد همومه ومشاكله وأفراحه مطروحة في سينما بلاده.