دعت «دار قنبز» قرّاءها مراراً إلى استخراج الأدب والمعرفة من المحيط اليومي من خلال لقاءات وفعاليات عدّة أقامتها على هامش النشر. بهذا أفسحت مجالاً للغة العربية لكي تصبح تجربة حسيّة وملموسة، خارج الكتب الورقيّة. خلال فترة الحجر المنزلي، لم تغِب دار النشر اللبنانية عن قرائها. دعتهم إلى لقاءات إلكترونيّة، قدّمت فيها ندين توما أسبوعياً حكايات وعديات ومرويات برفقة سيفين عريس (موسيقى)، في موعد كان فرصة للعودة إلى كتبها وقصصها.

أخيراً، أطلقت الدار مبادرة جديدة بعنوان «فكري بلدي» لدعوة المنتجين والحرفيين اللبنانيين من المناطق كافّة. وسط الأزمات المعيشية الخانقة، تفتح الدار مقرّها كلّ أربعاء طوال النهار لاستقبال أحد الحرفيين اللبنانيين من البقاع والجنوب والشمال. البداية كانت الأسبوع الفائت مع منتجة الصابون نيلّي الشمالي التي استقطبت عدداً كبيراً من الزوار إلى الدار.


يكتسب «الدار» هنا معنى حقيقياً لما تعنيه الدار اللبنانية في الضيع والمناطق اللبنانية، ولو كان مقرّ «قنبز» يقع في شقّة في العاصمة اللبنانية. المبادرة التي تعتمد فيها الدار على دائرة من معارفها وقرّائها، بالإضافة إلى توافر مكان لاستقبال الناس، تشكّل مساهمة في فتح سوق بيروت أمام هؤلاء المنتجين الآتين من الضيع، وإن كان هذا يحتاج إلى مبادرات أخرى من أجل إنجاز المهمّة في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة. الآن أكثر من أي وقت مضى، ترى توما ضرورة إقامة وتفعيل هذه الأسواق المحليّة ودعم الحرفيين ماديّاً ومعنويّاً «من أجل استمراريّتنا جميعاً» وفق تعبيرها. خصوصاً أن السوق العملاق، يبتلع التجارب المتواضعة لهؤلاء الحرفيين، حيث تبقى أسواقهم وبؤر بيعهم محصورة في المناطق. من هنا تأتي أهميّة المبادرة التي تؤمّن لهم سوقاً قد يكبر مع الوقت، إذ تسعى الدار إلى دعوة مزيد من الحرفيين كلّ أربعاء، لتقديم الكمية الأكبر من المنتوجات مثل الفخار، وبذور المزروعات، والمونة وغيرها.
اليوم تضرب «قنبز» موعداً مع امرأتين من راشيا هما أمل وردينة اللتين ستعرضان مأكولاتهما ومنتجاتهما البلديّة من الألبان والأجبان. يختصر عنوان الموعد «فكري بلدي» عمل الدار منذ سنوات في تشريع المعرفة على الإرث المحلّي. تؤكّد توما أنها لا ترى مسافة بين المعرفة والثقافة وبين العمل الحرفي المحلّي. منذ إطلاقها سنة 2006، اتّبعت الدار هذه الصناعة المحليّة في مجال الكتب والنشر، وإن كانت مشرّعة على المعارف العالمية الأخرى في التوجّه للأطفال والكبار على السواء. تمّ ذلك من خلال جمع قدرات وتجارب محليّة في الكتابة والرسم والتصميم، من أجل إنتاج محتوى معاصر باللغة العربيّة ضمن قالب بصريّ لافت، لا يتجاهل خصوصية اللهجات المحكيّة. يضاف ذلك إلى نشر تجارب أدبية مثل «المكان» لإملي نصرالله الذي كان بمثابة رحلة إلى الريف اللبناني بين الأمس واليوم. رأينا عودة الدار إلى القرى والمناطق مراراً في مؤلّفاتها، عبر إحياء طرق التعبير المحليّة مثل العديات والقصص المحكيّة وتوثيقها، فضلاً عن اكتشافات نشرتها في مجلّتها الشاملة قبل بضع سنوات حول الغنى الطبيعي للمناطق، مقدّمة لأبناء الجيل الجديد سبيلاً آخر للتعرّف إلى الإرث المحلّي الغني بمجالاته كافّة.

* «فكري بلدي»: 11 صباحاً حتى التاسعة من مساء اليوم ـــ «دار قنبز» (سامي الصلح ــ بيروت). للاستعلام: 01/380533