حصل كلّ هذا هنا. منظر المدينة ستراه متشابهاً أينما أدرت رأسك. الخراب واحد. القصص إذ تتوالى هي كلّ ما يملكه الأحياء عن لحظة نجوا فيها من الموت، إن كان يمكن اعتبارها كذلك. تؤكّد غالبية الحكايات اقتراب النهاية. رأتها بوضوح، تماماً مثلما سمعت الصوت. تختلط هنا الأرواح، وربّما ما يفصل بينها هو هذه الكلمات التي يستعين بها الناجون لوصف ما عاشوه، وإن بطريقة غير مفهومة غالباً. تتوزّع الكلمات على نتف ومشاهد عشوائيّة من لحظة التشظّي. من رحل أخذ معه قصّته ولحظات الرعب الأخيرة التي نشعر أن الغائبين مدينون لنا بها. لا يملك السكان الآن إلّا قصصهم، وقت الانفجار وما تلاه، ومنظر الشارع الذي يدعو باستمرار إلى التصديق. أضيفت إلى هويّات الأحياء سمات جديدة: الهلع، العيون الجاحظة، الندوب والصوت الذي لا بدّ من أنه يختبئ في مكان ما من الجمجمة. في السادسة تقريباً، قبلها بعدها لم يحسم الأمر فوراً. انتشرت صور للساعات بالأمس، تؤكّد أن الانفجار وقع بين السادسة ودقائقها العشر التالية. بعضها توقّف باكراً، وهي التي طالها انفجار مرفأ بيروت قبل الأخرى على الأرجح.

طوال الفترة الماضية، جلنا على الأحياء في العاصمة وضواحيها في الكرنتينا ومار مخايل والجميزة ووسط بيروت والحمرا والأشرفية. كان الناس يتكلّمون، من ظلّت لديهم الرغبة في الحكي. الشوارع صارت تمتمات تردّد صدى الصوت الكبير. الكلّ يتبادل قصص النجاة، والخوف، والفقد... والسقوط الهائل. حاولنا قدر الإمكان تسجيلها كما هي. أصوات تناقلتها الهواتف، والعابرون لدى لقائهم. جمعناها، ودوّنّا جزءاً منها كسردية عن بيروت في 4 آب، لشعورنا بأن لغة الشهود بكلّ تشظّيها وحدها من يستطيع التعبير عما حصل، ولمعرفتنا بأن «اللغة موهوبة في قدرتها على سوء التفاهم»، وفق تعبير حسين البرغوثي، خصوصاً في لحظات الفاجعة

(مروان طحطح)


الساعة
«حين بدأت الشمس تخبو، ذهبت لأسقي الزرع في حديقة أحد البيوت المجاورة للمرفأ. لم أكن في بيتي في الكرنتينا. ربّما لو بقيت هناك، لكان سقط جدار الغرفة على رأسي. أصبت بشظيّة في رأسي من الخلف. كأن أحدهم أطلق عليّ النار ما إن أحنيت ظهري. لحظتها لم أركض إلى البيت الذي أسكنه منذ تركت سوريا قبل 22 عاماً. لحقت الجميع إلى ذلك المبنى المرتفع ذي النوافذ الزرقاء. انتشلنا أجساداً. رفعنا الركام، وجدنا جسدين لأختين. الكبيرة ماتت فوراً، والصغيرة تلقّت إصابة بالغة، أعتقد أنها ما زالت في المستشفى الآن. أقصد هناك في المبنى حيث النوافذ الزرقاء. آه لم تعد النوافذ موجودة. إنها نهاية العالم. أردت أن أهرّب أمي فقط. أمي امرأة عمرها اثنان وستون عاماً. لم أفكّر بشيء آخر. كانت تغسل الصحون في المطبخ. أصيبت بزجاجة في رأسها. ست قطب إلى الأسفل، بالقرب من الجمجمة. خرّبت الدنيا بأكملها لكي أجد لها مستشفى. صرت فجأة مستعدّاً للقتل. انقطعت الكهرباء عند السادسة، لهذا لم تنكسر النوافذ التي فتحتها قبل دقائق. في الخامسة والنصف، نزلت إلى المستودع في أسواق بيروت. في وقت كهذا أكون في الأعلى. لا أعلم ما كان سيحصل لي لو أني بقيت هناك. طرنا إلى المطبخ. تلفتّ إلى جانبي، كان الجميع هناك. أعتقد أننا متنا وحيينا خلال ثوانٍ فقط. أعمل في المستشفى من السادسة إلى السادسة. أسكن في الطابق السادس أيضاً. كنت قد أنهيت عملي للتوّ. صعدت إلى الغرفة، وانهار كلّ شيء عليّ. لم أكن قد نمت ساعة واحدة ليلتها. أنا أصلاً متعوّد على السهر. في الرابعة صباحاً، سمعت أن هناك دورة جديدة للتيرمينال. قرّرنا أنا وابن عمّي أن نتقدّم، قلنا هذه فرصتنا للسفر. طوال الليل كنا ننهي العمل على الأوراق. في السادسة صباحاً نزلنا إلى عين المريسة وشربنا القهوة. عدت منهكاً عند الثانية ظهراً ونمت. ربّما تأخّرنا في التقديم، لكننا فعلنا ما نستطيع القيام به. كانت فرصتنا الأخيرة للنجاة».

(مروان طحطح)


الصوت
«لا أذكر أنني سمعت صوتاً على الإطلاق. أقصد الصوت الذي تحدّث عنه الجميع. ارتجّت الأرض تحت قدميّ. في رأسي فقط الصراخ الذي علا من كلّ جهة من المبنى، وصوت الزجاج المتكسّر. ظللنا نسمع سقوطاً في الحي بعد أكثر من ساعة على الانفجار حتى في الليل وفي صباح اليوم التالي. منذ أن عدت من برج حمود على الموتوسيكل، رافقني صوت هدير قويّ. سمعته ثلاث مرّات. أخبرت صديقتي على الهاتف عن صوت طائرات قريبة. قالت إنها لم تسمعه. سمعنا الانفجار معاً ولم أستطِع أن أتصل بها إلا بعد ساعات. هنا سمعنا صوتين. كنت نائماً وسمعتهما. قفزت مع الصوت الأوّل. نحن في النهاية نستطيع أن نحتمل صوتاً كهذا.
لحقتُ الجميع إلى ذلك المبنى المرتفع ذي النوافذ الزرقاء. انتشلنا أجساداً. رفعنا الركام، وجدنا جسدَين لأختين

أنا شاب عشت ما عشته. أستطيع التحمّل. لكن الأطفال لن يستطيعوا. أمام المتاجر، وقف بعض الأطفال لدقائق طويلة من دون القدرة على الكلام أو حتى على الصراخ. رأيناهم ولم نسمعهم. ظنّنا أنهم ابتلعوا ألسنتهم. صاروخ ضرب المبنى. انفجار في الكهرباء. نريد لصوتنا أن يصل. على الناس أن تعرف ما حلّ بنا، لا نريد طعاماً. نحن توقّفنا عن الخوف. اعتدت هذه الأصوات في الحرب. ليس الصوت الأوّل الذي أسمعه في حياتي، عمري الآن 54 سنة. سمعت أصواتاً كهذه في الرقّة. لكنني شعرت أن هذا الصوت حصل في أذني وحدي، بخلاف كلّ ما سمعته من قبل. بقيت أذناي تؤلمانني لأيّام. طنين متواصل، مع وجع لا يتوقّف، كأن الركام والزجاج لا يزالان عالقين فيهما. أشعر أن الصوت ظلّ على الوسادة. كلّما وضعت رأسي عليها دخل إلى أذني مجدداً. ظننت أنه لم يعد لشيء القدرة على قتلي. منذ فترة وأنا أعيش مع هذا الشعور. الصوت انتقل إلى قلبي الذي ظلّ يخبط لساعات متواصلة. هذا الصوت الوحيد الذي أذكره. أحدهم صرخ بجانبي: انقلوها ما زالت تتنفّس».

(مروان طحطح)


الحي
«انقلب الحي في لحظة واحدة. بجوار الحافّة كان هناك بعض الأشجار. شجرة توت وأشجار أخرى... كلّها اختفت. برج الغزال على الأرض. الجمّيزة أيضاً. نبحث لسمر عن مستشفى. لا أحد يستقبلنا. بعد دقائق قليلة، اقتربت أم وأبناؤها الثلاثة. جلسوا هنا على الرصيف في الأسفل. كانت هي تبكي وهم يرتجفون. خفت... تذكّرت أنه يوم الثلاثاء مجدّداً. في مثل هذا اليوم ماتت صديقتي في تفجير أمام بيتنا في الثمانينيات. لا تحضرني السنة، لكنني متأكّدة من أنه كان يوم ثلاثاء. تذكّرت هذا على الفور وقلت سأموت أنا أيضاً. لم تعد جاراتي اللواتي كنّ يعملن في هذا المصنع. علمت أنهم أمّنوا لهن منزلاً آخر. لم أرَهُن منذ ذلك الوقت. كنت أجول بسيارتي في الأشرفية. أعمل في هذه المنطقة عادة منذ سنوات.
هذا الصوت الوحيد الذي أذكره. أحدهم صرخ بجانبي: انقلوها ما زالت تتنفّس

لم أعد أذكر كيف حصل كلّ شيء. الركاب الذين كانوا معي غابوا عن الوعي. استطعت تمالك نفسي ونزلت باتجاه عين المريسة. حين نظرت إلى الصورة لاحقاً، تنبّهت إلى بقع داكنة على زجاج السيارة. ربّما كان دماً. أخبروني بأن صاحب العربة الذي يجول في الحي طوال النهار، فقد أولاده وزوجته. لمحته مرّات في الجوار. لكنني لا أذكر وجهه الآن كأنه هو الذي مات لا هُم. بعد يومين بدأت أعي ما حلّ بسكان الحي. جلت في الزواريب والبيوت. لم أجد أحداً هناك. رأيت سيارات البعض. هكذا كنت أطمئن عليهم. أحدهم ألصق أوراقاً على بعض السيارات، فيها معلومات عن حالات أصحابها... أسمائهم وإصاباتهم. هناك من نقلهم إلى المستشفى. ركضت إلى شركة الكهرباء. ابن خالي يعمل هناك، في المتجر وراءها مباشرة. لا أعرف كيف وصلت. نقلنا الناس في سيارات لا نعرفها. كنا على الأوتوستراد. ضربتها بشدّة على وجهها حتى تستفيق. الدم في كلّ مكان. لم أعلم إن كان دمي أو دم الماشين على الطريق. إما أن يكون حياً أو لا يكون. لا أجرؤ على السؤال عنه. سأنتظر».

البيت
«انزاحت الجدران بعضها عن بعض. من هنا تظهر الغرفة الأخرى. هذا المطبخ، صار مفتوحاً على غرفة النوم. ولدت في هذا البيت. جدّ جدي جاء إلى هنا. انظروا ما حلّ به الآن. باي باي ليبانون. لا شبابيك، لا بيت ولا شيء. أضيفت تشقّقات جديدة إلى الجدران. كلّ يوم أراها تتسع أكثر، أخاف أن تبتلعنا في النهاية... أصرّوا على ألا أدخل وأرى ما حدث له. منعوني من الدخول. ولدت هنا. تهجّرنا في الحرب. ثم عدت مجدّداً إلى البيت نفسه حين أنجبت ابنتيّ. الآن صارتا تخافان منه. انفجر البيت فينا. تطاير كلّ شيء علينا. اقتلع الباب من مكانه وضرب بجسد ابنتي. لم تستطع التنفّس بعدها. انا اخترقت زجاجة يدي. هجم البيت علينا في تلك اللحظة. لم يعد لديّ سقف. سقطت الشرفة. من يرفع هذا الركام؟».

الليلة الأولى
«اكتفينا بإزاحة الزجاج المكوّم على الأسرّة، استلقينا عليها، لكننا لم نستطع النوم. خرجنا من الحي. ذهبنا إلى الدكوانة ثمّ إلى الناعمة عند أقاربنا. بقينا عندهم في الليلة الأولى. أبعدتُ الكنبة عن الجدار، وفرشت للأولاد بجانبها حتى يتمكّنوا من النوم. نحن لم ننم. منذ الليلة الأولى ننام كلّنا في غرفة واحدة. أمي وأبي وإخوتي وأنا. لم يعد يستطيع أحدنا البقاء وحده في الليل. أصررت على البقاء مع أخي في البيت. أنزلنا فرشتين من الأعلى ووضعناهما أمام المبنى. أردنا حراسته. لا أحد يعلم من قد يأتي في الليل. هناك من ينتظر هذه الظروف من أجل تفريغ البيوت. لا أعرف لما خفنا ليلتها من السرقة. قالت لي ابنتي إنها لم تعد تستطيع النوم على سريرها. الحمد لله أن الأرض لا تزال موجودة، وإلا كيف كنا سننام؟ كلّ ليلة هي الليلة الأولى. كلّما حلّ الظلام، اصطحب أولادي ونخرج من بيروت إلى أحد بيوت أقاربنا. أعود كلّ صباح إلى البيت، وأعد نفسي بأنني سأنام هنا، لكن عند الغروب أغادر فوراً، وأنا أعِد نفسي بأنني سأنام هنا في الغد. أريد أن أغفو لساعة واحدة متواصلة».