في ليلة أخرى، كان علينا أن نتخيّل جسد الراقص نفسه (كنا نشاهده يتحرّك، ويرقص في مناسبات أخرى) وهو يتعرّض للضرب من كل الاتجاهات. خلال تظاهرة المصارف، إحدى أكثر الليالي اشتعالاً في الانتفاضة اللبنانية في شهر كانون الثاني (يناير)، وصل الراقص ألكسندر بوليكيفيتش إلى محيط مصرف لبنان، من جهة «الأريسكو بالاس». حينها، كانت القوى الأمنية قد دفعت المتظاهرين ناحية «فرنسبنك». يُحبّ بوليكيفيتش أن يسرد القصّة من أوّلها، مشيراً إلى الفيديوات التي تسجّل كل ما حصل على صفحته على فيسبوك. لم يكن قد مرّ على وصوله خمس دقائق، حتى بدأ نقاش مع قوى الأمن ومكافحة الشغب حول ظروفهم المعيشية، داعياً أحد العناصر إلى التوقّف عن حماية هذه المنظومة الفاسدة. دعوات كثيرة أطلقها المتظاهرون إلى العسكريين وقوى الأمن، وسمعناها، في فيديوات مسجّلة ومن دونها. كانت تهدف كلّها إلى التخفيف من حدّة العنف خلال التظاهرات، لأن المطالب واحدة. كان بوليكيفيتش أحد هؤلاء. لحظات قبل أن ينهال عليه ستة عناصر من مكافحة الشغب بالعصي والهراوات والضرب.

استدعي بوليكيفيتش أخيراً، مع ناشطَين آخَرَين هما داني مرتضى من الحزب الشيوعي اللبناني وعامر جمال للمثول أمام القاضي المنفرد العسكري في جلسة محاكمة عسكرية في ثكنة فخر الدين في الرملة البيضاء، عند التاسعة من صباح غد الخميس. جلسة المحاكمة العسكرية هي الأولى في بيروت التي تطال الناشطين المدنيين، بعد توقيفهم خلال تظاهرات انتفاضة 17 تشرين الأوّل. المحاكمة العسكرية بحقّ المدنيين لن تكون الأخيرة كما يخبرنا المحامي أيمن رعد من لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، والذي يشدّد على خطورة محاكمات كهذه على حريّة التعبير السلميّ أولاً. حتى الآن هناك برنامج ممتلئ للمحاكمات العسكرية التي تستدعي المتظاهرين السلميين. الحديث عن ليلة القبض كان فرصة لاسترجاع تلك اللحظات. بالنسبة إلى راقص «أكثر ما خفت عليه هو جسدي»، يقول بوليكيفيتش في حديث مع «الأخبار». «لو أصيبت ركبتي أو أي عضو آخر من جسدي، لكان عليّ أن أتوقّف عن الرقص لفترة طويلة، هذا إذا لم تصبني الضربات بعطب دائم». هكذا كان عليه أن يتخلّى عن أيّ محاولة للمقاومة. ركّز، بدلاً من ذلك، من خلال بعض التقنيات الجسمانية، على اللحاق بأجساد ودعسات عناصر قوى الأمن الداخلي كي لا يصاب بأذى. كان عليه السير معهم. بعد الضرب؛ نقل إلى مخفر الرملة البيضاء مع عامر جمال وداني مرتضى، حيث خرجوا من المخفر في الثالثة صباحاً نزولاً عند ضغط المتظاهرين ممن تجمّعوا هناك مطالبين بالإفراج عنهم، علماً بأن داني خرج بكسر في يده، ونقل إلى المستشفى مباشرة بعد التحقيق. مع ذلك، واصلت القوى الأمنية اتهاماتها للمتظاهرين. حاولوا أن يُجبروا ألكسندر على الاعتراف ببعض التهم، منها رش الرذاذ الملوَّن على عناصر القوى الأمنية، وهذا ما نفاه الأخير طالباً حضور محام. رغم الظروف الاقتصادية في البلاد، والأزمات المستجدّة والقديمة، يبدو أن المحكمة العسكرية متمسّكة باستدعاء الناشطين والمتظاهرين الذين كانوا قد أوقفوا سابقاً إلى جلسات المحاكمات التي حدّدتها قبل فترة. المحامي أيمن رعد، الذي سيدافع عن المتظاهرين الثلاثة، ممثلاً اللجنة التي ستتولى الدفاع عن عدد كبير من الناشطين ممن سيمثلون أمام المحكمة العسكرية في جلسات لاحقة، يشير إلى أن المحاكمة ستتم نزولاً عند دعوى مقدّمة من النيابة العامة العسكرية، بتهمة «المقاومة السلبية» لقوى الأمن، وبالاستناد إلى المادتين 380 و386 من قانون العقوبات اللبناني. يعرف بوليكيفيتش أنها ستكون الجلسة الأولى في بيروت لمحاكمات الناشطين في المحاكم العسكرية. علينا أن «نرفع السقف إلى أقصاه، سقف التعبير»، يقول. هو يرفض أن يدفع أي غرامة بعدما منع من سحب أمواله من المصرف، وبعدما تهدّم بيته من جرّاء انفجار المرفأ. كل ذلك يبدو عبثياً، فكيف إذا أضيفت إليها شكاوى لجنة المحامين حول تعرّض عدد من المتظاهرين للتعذيب في التحقيقات الأمنية ولم يجر التحقيق فيها حتى الآن؟ يعود ذلك إلى أنه طُلب من أولئك أن يقدّموا إفاداتهم لدى مخابرات الجيش، ما يُعدّ خرقاً للقانون، فيما يجب أن يحقق فيها قاض مدني وفق رعد، الذي يذكّر بأن الضغط في الشارع سيكون أساسياً في تلك المحاكمات.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا