I ـــ منتصف القرن التاسع عشر: غزوة ابراهيم باشا، وخروج بيروت من أسوارها

في المعلومات المتوافرة، أنّ طريقاً قديماً كان يربط بيروت بدمشق (طريق الشام). وربَّما عاد تاريخ بناء هذا الطريق إلى أوائل القرن التاسع عشر، فتمَّت المحافظة عليه طيلة سنين. ثم تمَّ تجديده، من دون تعديل في مساره. وجرى تدشين «طريق الشام الجديد» في عام 1863، أي بعد خروج بيروت من أسر سورها، وتمدُّدها عمرانياً باتجاهات متعدّدة، أهمها محلة زقاق البلاط المجاورة، ولصيقتها محلة الباشورة. وباتجاهات الطرق الرئيسة التي تربطها بدمشق «طريق الشام»، أو بالمدن الرئيسة (في لبنان اليوم)، أي طريق طرابلس، وطريق صيدا.
وستنتظر السيارت عام 1880 لتصل من بيروت إلى دمشق، سالكة طريق الشام. أما سكَّة الحديد فانتهى بناؤها في عام 1895. وهي تصل دمشق بحلب، عبر بعلبك في البقاع، وحماه وحمص في سوريا. وعند الحديث عن بيروت المتمدّدة خارج الأسوار، نرى لزاماً العودة إلى الشيخ طه الولي الذي يقول: «كانت بيروت مدينة صغيرة، سمَّاها البعض المدينة المربَّعة. وكانت تتألف من مساكن متلاصقة، محشورة في رقعة ضيّقة من الأرض، طولها لا يزيد عن سبع مائة وخمسين متراً، وعرضها حوالى ثلاث مائة وسبعين متراً. كانت بيروت في التاريخ، مدينة مسوَّرة باستمرار. والسور الأخير، بناه أحمد باشا الجزَّار في أواخر القرن الثامن عشر. بناه من الحجارة الرمليَّة، ودعَّمه بأنقاضٍ من الأعمدة، المتخلّفة عن حطام الآثار الرومانية والبيزنطية القديمة. ويتخلَّل هذا السور، بضعة أبراج، ذات أبواب مصفَّحة بقطع من الحديد، المثبتة على الأبواب، بمسامير ضخمة ناتئة. ولما استباح حمى المدينة، إبراهيم باشا في عام 1832، فُتِحَتْ هذه الأبواب على مصَاريعها، وانطلق عمران المدينة، من داخل السور إلى ما وراءه. كان هذا التمدُّد العمرانيُّ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولم يبقَ من بيروت القديمة وسورها، إلا الذكريات».

توسع مدينة بيروت خارج أسوارها


قلب بيروت التاريخي التدمير والتزنير والردم


II ــــ 1876 خريطة جوليوس لويتفد، نائب قنصل الدانمارك ومجالات التمدُّد الرئيسة، لمدينة بيروت
أعدَّ نائب القنصل الدانماركي، خريطة بيروت المتمدّدة في عام 1876، وأهداها إلى السلطان عبد الحميد الثاني، بمناسبة صعوده إلى سدَّة السلطنة.
وبيروت التاريخية، بمساحتها الصغيرة، وبالمساكن المتلاصقة المحشورة في هذه المساحة، بيروت هذه، تظهر بوضوح في محـور الخريطة إلـى الشمال، بمحـاذاة البحر، قبالة المرفأ الذي تمَّ توسيعه. في عام 1838، تمَّ توقيع اتفاقية التبادل التجاري الحرَّ، بين بريطانيا والسلطنة العثمانية، فوُسّعَ المرفأ لاستقبال السلع الوافدة. وأصبحت بيروت المرفأ الرئيس، ومركز استقبال السلع وتوزيعها شرقاً، داخل أراضي السلطنة الواسعة. حدود المدينة المتوسّعة، واضحة في الخريطة. في الجنوب، حرش بيروت، المشهور بكثافة أشجار الصنوبر فيه، وقد زُرِعَتْ هناك، لتثبيت الرمال، ولحماية بيروت المتوسّعة من زحفها. وفي الشرق، نهر بيروت. وفي الغرب، تلال الرمال المتحرّكة، التي حاذرت المدينة، الاقتراب منها. وفي الشمال، المرفأ الموسَّع، والبحر. مجالات التوسُّع، واضحة في الخريطة، فهي تتحلَّق حول المدينة القديمة التاريخية. في الجنوب والشرق، منطقتا زقاق البلاط والباشورة، أكرّر، القريبتان من ساحة عسّور، عند الحدود الجنوبية للمدينة التاريخية. وفي الشمال والشرق، في منطقة الجامعة اليسوعية، وامتداداً حتى مرتفعات الأشرفية. وجنوباً، باتجاه برج أبو حيدر والمصيطبة... والتطلُّع الدائم إلى حرش بيروت.
مع لسان من النسيج المدينيّ المبني، ينطلق من المدينة التاريخية باتجاه الغرب، بمناسيب مختلفة باختلاف المناسيب في الأمكنة، وبموازاة تعرُّجات الشاطئ، وصولاً إلى موقع الجامعة الأميركية في بيروت، أو الكلية الإنجيلية السورية. وهي، على جانبي الطرقات الرئيسة، وفي المجالات التي تحدّدها هذه الطرقات.
والطرقات الرئيسة، وهي ثلاثة أولها، طريق الشام، وقد سبق وتحدثنا عنه في وجوده العتيق، ثم في تجديده دون استحداث أي تغيير في مساره، ثم في تدشينه رسميّاً، ثم في بناء سكَّة الحديد التي تربط بيروت بدمشق. ولا يزال الطريق إلى دمشق، يحافظ على مساره القديم داخل الأراضي اللبنانية. بدارو، المتحف، فرن الشباك، التحويطة، الحازمية، ضهر الوحش، عاليه، بحمدون، صوفر، وصولاً إلى شتورة والبقاع الغربي والمصنع. وثانيها، طريق بيروت طرابلس أكرّر. يعود تاريخ هذا الطريق، إلى تاريخ تجديد طريق دمشق. وينطلق من الساحة الكبيرة، وهي الحدود الشرقية لمدينة بيروت التاريخية.
كان الطريق يخترق سوق النجارين، ومنطقة الصيفي، وصولاً إلى الجميزة أولاً، ثم منطقة مار مخايل، حيث شُيّدَتْ المحطة الرئيسة لسكة الحديد في بيروت، وهي في طريقها إلى طرابلس. ثم يجتاز الطريق نهر بيروت عبر جسرٍ، مكمّلاً مساره نحو طرابلس. ومن المفيد الإشارة إلى أن طريق الشام يحدُّ حرش بيروت شرقاً، من دون أن يقتلع شجرة صنوبر واحدة. لقد حرص مسار الطريق، القديم والمجدَّد، على حماية حرج بيروت، باعتباره أحد معالمها الرئيسة.
أما الطريق الثالث، فهو طريق صيدا القديم، أكرّر مرَّة أخرى، الذي يحدُّ حرج بيروت غرباً. يحتلُّ الحرج في خريطة نائب القنصل، المثلث بين الطريقين، طريق الشام وطريق صيدا، ويشكّل، حدود مدينة بيروت الجنوبية كما ذكرنا.
توسَّعت بيروت، لا بَل تمدَّدت، على جانبي الطرقات الثلاثة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. مبان تراثية جميلة، بنيت على جانبي الطرقات الثلاثة.
حافظ طريق الشام القديم، على جزء من مساره داخل المدينة. وفي هذا الجزء من المسار صمد بعض التراث المبني. في بداية الطريق، بعد جادة الرئيس اللواء فؤاد شهاب صعوداً، المدخل إلى شارع عبد الوهاب الإنكليزي، والزاوية في محلة السوديكو حيث يقوم اليوم متحف مدينة بيروت. رسم مبنى الزاوية هناك، المعمار والسياسي، يوسف بك أفتيموس. بعض المدافن، قبل المركز الفرنسي للشرق الأدنى (IFPO)، كلية الطب، العائدة للجامعة اليسوعية، بعض المباني العتيقة، العائدة للمركز الفرنسي المذكور.
إلا أن قطعاً فجاً أصاب النسيج التاريخيَّ على جانبي طريق الشام، في أكثر من منطقة، أكثرها إيذاء، في منطقة السوديكو. وبعدها، في منطقة السفارة الفرنسية، والمركز الفرنسي للشرق الأدنى (IFPO). وثالثها، قبل المتحف في موقع مبنى الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية، وقبلها مبنى الأمن العام. وبعدها، عبر بدارو وفرن الشباك والتحويطة وعين الرمانة، فقد ابتلع فالقٌ كل المعالم هناك، ولم يبقَ شيء من ميّزات الطريق القديم. أما طريق صيدا، فقد اغْتِيْلَتْ في محيطه كل أمكنة الذاكرة. وحده، جزء الطريق بين الشياح وعين الرمانة، وصولاً إلى كنيسة مار مخايل، لا يزال يحكي ذاكرة حربنا الأهلية المدمّرة، التي طالت، حتى مؤتمر الطائف في عام 1989. خارج هذه الذكرى المؤلمة لم يبق شيء. أوتوسترادات، وبولفارات، وأنفاق، وطرق جديدة، ومبان يزعم البعض أنها حديثة، تحوُّلات فجَّة غيرت المعالم. ونزعت المتبقّي من الطابع والهوية. هجَّنَت الأمكنة، وأفرغتها من كل دلالاتها، ورموزها. المتجوّل في الجمَّيزة مار مخايل – طريق النهر – طريق طرابلس، يلاحظ أن النكبة العامة قد أصابت جزئياً هذه المناطق، على امتداد الطريق. إلّا أنه يلاحظ في الوقت ذاته، أن للأمكنة روحها، وأن للمشاهد سحرها، وأن لصورة المدينة فيها، عبقاً خاصاً ووقعاً مميَّزاً.

III ـــ سوليدير تدمّر تراث بيروت التاريخي، برؤية في التنظيم المديني، جراحيَّة، مكلفة
كُلّفَتْ دار الهندسة بإعداد المخطط التوجيهي، والمخطط التفصيلي لإعادة إعمار قلب بيروت التاريخي. وتولَّى المهمَّة، المهندس الراحل هنري إده. كان «المحترف الباريسي للتنظيم المديني» (APUR)، قد أعد في عام 1977 مخططاً لإعادة الإعمار يقوم على ثلاث قواعد رئيسة:
الحفاظ على معظم النسيج المبني في قلب بيروت، لقيمته التاريخيَّة، والجماليَّة، والمعماريَّة، والرمزية، عدم توسيع رقعة الدمار، واعتماد الترميم، مهما صَعُب، كوسيلة رئيسة لإعادة الإعمار.
الوقائع على الأرض، ورقعة انتشار الدمار، دفعت المحترف المذكور، إلى تحديد نطاق إعادة الإعمار في مساحة تقارب الـ 120 هكتاراً، حدودها: جادة الرئيس اللواء فؤاد شهاب في الجنوب، شارع جورج حداد في الشرق، شارع فخر الدين (جادة سليمان فرنجية لاحقاً) في الغرب، والبحر في الشمال.

بولفار جورج حداد، وبوابة الجميزة، راهناً


اعتمد هنري إده نطاق العمل الذي حدَّده المحترف الباريسي (APUR)، علماً أن الفارق الزمني كبير، بين المخططين 1977 – 1991. لم يكترث هنري إده، بالدمار الذي امتدَّ إلى خارج قلب المدينة، ليطال مناطق عدَّة، مثل طريق الشام، ورأس النبع، وزقاق البلاط وغيرها. ولم يُعِدّ أي مخطَّط أوليّ لإعادة إعمار بيروت الإدارية بكاملها. في هذا المخطَّط الأوَّلي، مخطَّط رئيس تفصيلي، لإعادة إعمار قلب بيروت، كما سبق وذكرنا. جال هنري إده في عام 1991، بمقترحه على المسؤولين. مجلس الوزراء أولاً، وبعده مجلس النواب، وبعده المدير العام للتنظيم المديني رئيس المجلس الأعلى للتنظيم المديني المهندس محمد فواز، ومجلس الإنماء والإعمار، ورئيسه في حينه، المهندس الفضل شلق. انتقل بعدها، إلى عرض المشروع على سكان بيروت، مبتدئاً بعرضه على المهندسين، بمبادرة من النقيب في حينه، الراحل بهاء البساط.
تمَّ العرض في قاعة جانبية ملحقة بفندق الكارلتون، إذ أن مبنى النقابة في بئر حسن، كانت القذائف قد أصابته، وأصبح خارج الخدمة. ثم كان العرض الرئيس، في مقر جمعية خريجي المقاصد الإسلامية عند حديقة الصنائع، بدعوة من مدير عام التنظيم المديني في حينه، الدكتور سعد خالد، وهو أحد أعضاء مجلس إدارة الجمعية.
في العرض الرئيس هذا، كانت القاعة محتشدة ومزروكة. سياسيون في الصفوف الأمامية، في مقدمتهم الرئيس الدكتور سليم الحص، بعدهم أعضاء في المجلس البلدي، وأعضاء في مجلس الإنماء والأعمار... وفي هذا الحشد أساتذة العمارة والتنظيم المديني في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية وغيرهم كثر.
ترأس الدكتور سعد خالد الجلسة وأدار النقاش. إلى يمينه جلس الفضل شلق، رئيس مجلس الإنماء والإعمار، وإلى يساره جلس معقّبان أنا واحد منهما.
عرضُ المهندس الراحل هنري إده كان طويلاً مسهباً، بعدما أُقِرَّ المشروع الذي أعدَّه، في الهيئات الرسمية، مجلس النواب، ومجلس الوزراء.
الردم بداية، قال. الردم في خليج النورماندي، واقع لا نستطيع تجاهله. مساحته تقدَّر بستين هكتاراً. نضمُّه إلى قلب بيروت، فتصبح المساحة الإجمالية، مئة وثمانين هكتاراً. إنه المجال الذي يعاد إعماره. كلفة أعمال البنى التحتية هي أربعمئة مليون دولار، لا تستطيع الدولة أن تدفعها. لذلك سَتُعْطَى الشركةُ، «سوليدير» لاحقاً، كل الأرض ناتج الردم، لقاء قيامها بأعمال البنى التحتية في قلب المدينة الذي يعاد بناؤه. الحدود ثانية، تابع. حدود المنطقة التي سيعاد بناؤها هي كالتالي:
في الجنوب موجودة، هي جادة الرئيس اللواء فؤاد شهاب. وفي الشمال هي بديهية الوجود، وهي بالتأكيد البحر والمرفأ. في الشرق توسيع شارع جورج حدَّاد بموازاة مار مارون، وأمام بوابة الجميزة ومار مخايل، مع نفق يؤدّي إلى منطقة الصيفي عند بيت الكتائب. في الغرب توسيع شارع فخر الدين، بموازاة الفنادق القائمة هناك، «الهوليداي إن» عند الزاوية، و«فينيسيا أنتركونتيننتال» في الأسفل. إكمال جادة سليم سلام، ونفق سليم سلام، ثم إضافة نفقين تحت جادة الرئيس اللواء فؤاد شهاب، عند تقاطع شارع موريس بارس مع الجادة. نفق قصير، يوصل إلى القنطاري والحمراء. ونفق طويل، يوصل إلى منطقة الفنادق. وقد سبق ذلك إكمال نفق سليم سلام ووصله بالمطار، عبر جسر طويل، وخندق عميق في منطقة المدينة الرياضية. يسمح ذلك، باختصار المدة للوصول إلى منطقة الفنادق من المطار، إلى سبع دقائق.

المساكن المتلاصقة والمحشورة

الرؤية ثالثاً، قالها بهدوءٍ وتأنٍ. في الرؤية كرَّر، يرتكز التنظيم المديني في إعادة إعمار قلب مدينة بيروت، إلى محاور ثلاثة، مفتوحة كلُّها، وتتوجه كلّها نحو البحر. تراه، تُطلُّ عليه، دون أية عوائق. الأول: محور ساحة الشهداء، ملحق به محور شارع فوش. نجعلُ الساحة أكثر عرضاً. ندمّر كلَّ حدودها الشرقيَّة. نزيل سينما «ريفولي» وكل ما هو مبني خلفها، حتى المرفأ. وتصبح الساحةُ المقفلة، مجالاً عريضاً، مفتوحاً بكرمٍ على الحوض الأول من المرفأ. نبني هناك مركزاً مالياً دولياً، في الحوض الأول، والبحر وراءه. إنها بداية الواجهة البحرية الجديدة، لبيروت.
الثاني، محور السلطة التشريعية: شارع سورية بموازاة مبنى العازارية غرباً، شارع المعرض، ساحة النجمة، حيث مبنى البرلمان، شارع اللنبي. يمتد المحور عميقاً في البحر.
أما الثالث، فهو محور السراي الكبير. وهو محور بصري، قوامه مخروط رؤيةٍ من السراي، نرى البحر من فوق المباني التي ستُبنى داخل هذا المخروط. نبني في طرفه فوق الردم، مجمعات سكنية في جزيرة، تربطها جسور ببرّ بيروت القديم، بما يحافظ على علاقة المدينة التاريخية بالبحر. أما في طرف المحور الخلفي عند جادة اللواء الرئيس فؤاد شهاب، فقد لحظ المشروع مبنى على شكل حدوة حصان، يقفل شارع سورية عند آخر مبنى العازارية، ويقفل بالتالي المحور هناك.
لقد حدّد هذا المكوّن من الرؤية، ارتفاع مباني «سوليدير»، التي ستبنى داخل هذا المخروط البصري.
في الصور الفوتوغرافية التي رافقت عرض الرؤية، يبدو قلب المدينة وقد هُدم معظمه. مجالات فارغة بقيت فيها بعض المباني.
قرب شارع المعرض وساحة النجمة، هُدِمَ سوق أبو النصر، وسوق سرسق، وسوق النورية، وسوق السمك والبيض، وسوق الصاغة. هدمت كل الأسواق هناك. هدمت الأسواق التقليدية بالكامل، سوق اياس، وسوق الجميل، وسوق الطويلة، وسوق الجوخ، وخان أنطون بك، وكل المباني التي كانت تصنع النسيج التاريخي هناك.
يرتكز التنظيم المديني في إعادة إعمار قلب مدينة بيروت، إلى محاور ثلاثة، مفتوحة كلُّها، وتتوجه كلّها نحو البحر


هدم كل النسيج التاريخي الذي زنر شارع ويغان في جانبيه، وكل النسيج العتيق الذي جاور مجمَّع ستاركو. هدمت منطقة الزيتونة بكاملها. وغُيبت معالم المنطقة، بافتعال ما سمي الردم الإلزامي في خليج النورماندي، أثناء الحصار الإسرائيلي في عام 1982. هُدِمَ معظم ما صنع خصوصية شارع باب ادريس، خاصة سوق الإفرنج بوابة الأسواق التقليدية بمجملها. هدمت منطقة الغلغول بكاملها عند ساحة رياض الصلح، كما هدم كامل النسيج المبني شرقي ساحة البرج، ساحة الشهداء.
هدمت ساحة الدباس، ومبنى «دار الندوة» بمحاذاة الساحة. وقُطع شارع مونو، الموصل إلى هذه الساحة، وأصبح بدون فائدة، وخالياً من أي دور أو هدف. هدم سوق النجَّارين، وسوق منطقة الصيفي، وكل النسيج السكني والتجاري الموصل إلى بوابة الجميزة مار مخايل، عند طريق النهر طريق طرابلس. أذكر في هذه المناطق بكثير من الحنين الدافئ الصادق، أنني كنت أتردَّد في أواخر الخمسينات، إلى دكَّان مسلَّم للسندويس هناك وإلى دكان فريحة للفلافل.
كما أذكر بالدفء ذاته، سهرات رأس السنة التي قضيتها في منازل أصدقاء ومقرَّبين، سكنوا الشارع هناك، بعد سوق النجارين، وقريباً من بوابة الجميزة. سكن التاريخ والذاكرة هناك، واقتلعتهما الجرافات بقوة رأس المال المتوّحش. لم تكن الرؤية التنظيمية، لإعادة إعمار قلب بيروت رؤية للبناء، بل كانت رؤية للهدم. لم تهدف الرؤية التنظيمية هذه، إلى حماية أمكنة الذاكرة الجماعية، بل هدفت إلى اقتلاع هذه الأمكنة، ومعها كل رموزها، وما تحتضنه من ذاكرة جماعية، واستبدالها بنسيج جديد هجين، لا أمكنة للذاكرة الجماعية فيه. عليه أن يقتلع أمكنة الذاكرة، ويقتلع معها الذاكرة أيضاً. وساحة الشهداء، ساحة البرج في حلَّتها الجديدة لم تعد مكاناً للتلاقي وللتجمع وللتعاضد، ولوحدة المدينة، ولجمع ناسها، بل أصبحت شرخاً عريضاً، يفصل ولا يجمع، يفرّق ولا يوحّد.

IV ـــ تزنير قلب بيروت، وعزله عن المدينة يحافظ بالصدفة، على النسيج المبني في الجميزة ومار مخايل
ماذا نرى اليوم كناتج للمحاور الفكرية الثلاثة، التي عرضناها، والتي تأسَّست عليها عمليات إعمار قلب بيروت، التي نفَّذتها الشركة العقارية «سوليدير».
نرى، أولاً، الهدم المدمّر الذي طال تراث المدينة التاريخية. فإذا استثنينا مبنى السراي الكبير، ومبنى مجلس الإنماء والإعمار، والمباني الدينيَّة المختلفة، إذا استثنينا كلَّ هذه المباني، فإن معظم ما تمَّت المحافظة عليه، هو المباني الكولونيالية، في شارع المعرض وفي ساحة النجمة، التي أقفلت راهناً بوجه صبية الحراك، وأُخرِجَتْ من الحياة العامة، وصارت بعيدة عن حياة الناس، إلى جانب مبان كولونيالية أخرى، في شارعي فوش واللَّنبي، وخلف، كلّ من السراي القديم، ومبنى مقر بلدية بيروت.
وبُنِيَتْ أسواق جديدة هجينة، لا مذاق لها ولا هُوية، مكان الأسواق التقليدية. نرى التزنير واقعاً فجاً، يفصل قلب بيروت التاريخية عن المدينة. وهل يخفق قلب خارج الجسد؟ كتبتُ مرَّة؟ فجادة الرئيس سليمان فرنجية المتمادية في عرضها (شارع فخر الدين سابقاً)، ترسم الحدود المفتعلة غرباً، وتلتقي عبر نفقين كما سبق وذكرنا، مع الرينغ (جادة الرئيس اللواء فؤاد شهاب)، لترسم ساحة الحدود العملاقة القاحلة جنوباً. ثم تلتفُّ عند بوابة الجميَّزة التاريخيَّة، عبر جادة جورج حداد بمساريها ونفقها، لترسم بالقسوة ذاتها، وبالافتعال البشع ذاته، الحدود الشرقيَّة. ننظر من فوق الجادة، الساحة، الصحراء، إلى ما كان يسمَّى ساحة الشهداء، فنرى فراغاً مفزعاً.

الجميزة وأحد الأدراج

منذ ربع قرن، ومجال الساحة فارغ. منذ ربع قرن، لم تبْنَ الواجهة الشرقيَّة للساحة. منذ ربع قرن، ومجال الساحة مفتوح على البحر، بدون هدف. نستطيع أن نرى البحر من أيّ نقطة على الشاطئ، أو من أي مرتفع في المدينة. ولكن فتح الساحة الرئيسة في قلب المدينة، وهدم إرثٍ عريقٍ هناك كان يقفلها، عليه أن يترافق مع هدف. لم نرَ هدفاً لكل هذا الدمار. الدمار للدمار. ورؤية البحر البعيد هدف بذاته. قيل في التنظير لفتح الساحة، إنَّ الهدف الرئيس، هو بناء مركز ماليّ في الحوض الأول للمرفأ، يرمز إلى دور بيروت الماليّ في المنطقة. مضى ربع قرنٍ، ولم نبنِ المركز الرمز. وهل من أحمق يرى، أننا نسير في أوضاعنا الراهنة، إلى ما يجعلنا قادرين، على بناء المركز وإحياء الرمز؟ وإن بعد حين؟ وهل تحتلُّ بيروت فعلاً هذا الدور؟ لنرمز إليه؟ بصرحٍ دالّ داخل البحر، يكون شعاراً ومعلماً؟
نقف اليوم، عند جامع محمد الأمين، فنرى في البعيد، ومن دون وجود أي عوائق بصريَّة، أو أي صروح مبنيَّة، نرى في البعيد، البعيد، مبنيين تراثيّين أنيقين، يدلَّان على بوَّابة الجميزة. الجميزة، كانت مختبئة خلف نسيج مديني كثيف، هُدِمَ بكامله. المجال الفاصل المذكور، هو راهناً، صحراء رمادية قاحلة، في طرفها بوَّابة، يختبئ خلفها جزء رئيس من مدينة بيروت التاريخية. لم تكترث جرَّافات «سوليدير» بالمجالات التي زنَّرت الجادات والتي رسمتها حدوداً لها. لم يعرف القيّمون على الشركة العقارية «سوليدير» الأهميَّة التاريخيَّة، لامتدادات مدينة بيروت شرقاً. إنها حدودُ التدخُّل التي رسمتها الخرائط الرسمية. إنها القدرة الإلهيَّة، ربَّما، يقول بعضهم. لكن أرجّح، أنها الصدفة. الصدفة وحدها، هي التي حافظت على الجمَّيزة – مار مخايل، كجزء رئيس، من تاريخ تمدّد بيروت خارج سورها. الصدفة وحدها. الصدفة.

* معمار لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا