هل سيتسع «ليبانكولي» الفنان عمر الرحباني المكتوب ليد اليسار وحدها، ليقول التعبير الفني الرحباني المثالي الممتد منذ الجيل الاول ليصل الى ذاكرة الحفيد، وهو يخوض تجربة التعبير بالتأليف لآلة البيانو بعد حادث سيارة أدى الى كسور في اليد اليمنى تزامن مع الانفجار الكبير الذي دمر مناطق واسعة جداً من احياء عاصمتنا التي تحيط بالمرفأ، ليحصد منا مئات القتلى والوف الجرحى ودماراً كبيراً مخيفاً وشاملاً غيّر حياة مئات الالوف من سكان بيروت؟!

في المقلب الفني الموازي لانعكاس هذا الحدث الدرامي الكبير على الوعي الفني، سيبقى برأيي السؤال عن قدرة الفن على خوض معركته ودوره ومهماته المتوازية بمصيرية الحدث، مفتوحاً على وعي التغيير عند اللبنانيين جميعاً وفيهم فنياً وعي جيل عمر الرحباني! . كيف إذن لموتيف الغواية الرحبانية أن يمتد فنياً لثلاثة أجيال وصولاً الى قدرة هذا الحفيد على استشراف الحدث الوطني الاليم، ليربطه فنياً بضرورات الاصرار على إبداع تيماته الموسيقية بيد واحدة على السلم الموسيقي المزدوج والمُتمثّل بسكور البيانو المفتوح على مفتاح الـ Fa الذي يسند دائماً توأمه الممتد فوق مفتاح الـ SoL الخاص بيد عمر اليمنى التي ستنام داخل الجبس لثمانية اشهر؟. يد اليسار وما ادراك ما اليسار الذي لطالما داعب حلم التغيير الرحباني الاول. وهو يمتد الآن لثلاثة أجيال رحبانية قالت مهمات التغيير والثورة بأكثر انواع التعبير الفني مثالية، وطنياً وروحياً وفكرياً من الأغنية الى المسرح الغنائي الرحباني العظيم، مروراً بكل تراث ذلك الحلم الذي تبيّن أنّه هو وحده القادر على تمثيل لبنان الحقيقي باقتدار فني رؤيوي لا يموت. كيف سيعود الآن هذا الحلم لينهض من ركام الحروب الاهلية والوطنية بصراعاتنا الطائفية التي ينهض جيل عمر الثالث لاتمام رسالته الفنية لمواجهتها بجهوزية رحبانية تبدو كأنها ما غادرت الميدان منذ غياب الاخوين رغم تغير الظروف وتسارع الاحداث بطريقة فاقت اي تصور لما يمكن ان يبلغه فساد الطبقة اللبنانيه الحاكمة بالوراثة؟! تأتي ربما مقطوعة عمر الرحباني الاستثنائية هذه لتجيب فنياً (رغم انها قد لا تكون أهم انجازاته الموسيقية الناضجة بعمق موهبته في التعبير عن رفضه لهذا التراجع والانهيار)! هل استطاعت يد اليسار ابداع جواب الفن بوعي عمر الموسيقي الذي يتوازى درامياً مع مأساوية الحدث الوطني؟
يبدو لي أنّ «ليبانكولي» عمر تتقاطع عبر منطقة موسيقية مشتركة تتجمع فيها ـــ بالانطباع الفني ــــ ملامح روح النكتورن والبالاد عند شوبان كقالب يحتويه! ويبدو انه عبر هذا التقاطع الحاصل بينهما، تستحضر «ليبانكولي» بعض اجواء العوالم الصوتية لحقبة الباروك في طنين الميلودي وتوابعه التي تنتهي بالتريلات ليستحضر عمر بينها اجتهاده الشخصي لتطوير وتطعيم النص الموسيقي بنقل نظام وانواع الاكوردات، وهي تتطلع الى الحقبات الأخرى اللاحقة عليها من الكلاسيكية الى الرومنطيقية، ليصل النص بوليفونياً الى نص ساحر ملوّن وموشح بتعدده وتنوعه الموسيقي العام. مع ذلك، يبقى طاغياً في الثنايا حضور مرموق ومحبب لعوالم باخ الميلودية والكونتربانطية حيث تتكثف كلها معاً في قدرة روح عمر الرحباني وهي تمضي توقيعها فوق انجاز هذا التكثيف بشفافية رحبانية معروفة لا تساوم على الخاص في زمن عمر المختلف عن زمن عاصي ومنصور. أما عن غياب يده اليمنى التي عادةً ما تتمتع بمقدرة عزفية أكروباتية تشهد لها مؤلفاته الاخرى، فإنّها في «ليبانكولي» تستسلم لنداء أختها اليسار لتسلّمها شرف تمثيلها وهي نائمة بدفء في الجبس لتشفى من عدة كسور كانت بحاجة لجراحة و٤ براغي ستبقى لثمانية اشهر لتعود كما كانت، قبل أن تؤدي اصابع يد اليسار الآن سحر الميلودي وتفاصيل روح هذا التأليف المكثف والممتد على ما يقل عن ثلاث دقائق من السحر الصافي!
كيف استطاع عمر كتابة أو إعادة كتابة هذه القطعة ليد اليسار وحدها من دون أن يسقط من سر وسحر التعبير الموسيقي شيئاً؟!. لنعرف الجواب على المرء أن يراقب جيداً حركة الاصابع الخمس ليد اليسار، وهي تلهث على مساحة السلم الموسيقي المزدوج لسكور البيانو . وعليه أن يستنفر حاسة السمع والنظر معاً وهو يراقب ويسمع ذلك العزف الاستثنائي لأصابع يده تلك!. فرغم أنّ المقطوعة تسير على النبض المربع لإيقاع ٤/٤ وعلى مقام «فا مينور» Fa minor، فإن ألحان الثيمة الرئيسية في بداية المقطوعة تسير بحركة ذات تسلسل دائري للأكوردات بعكس عقارب الساعة التي اتبع فيها عمر بذكاء دائرة الخماسيات.
ابتدأ عمر من «أكورد دو مينور» اذن بعكس عقارب الساعة مروراً بـ «أكورد فا مينور» ثم «سي بيمول ماجور» وما الى ذلك من ذلك التسلسل الذي يظهر في الصورة المرفقة. لقد تم المرور ـــ كما نرى في الصورة الدائرية ـــ لتلك الحركة الخماسية خلال سير النظام الموسيقي للمقطوعة بالتتالي لتمر على سلّم «دو ماجور» تمهيداً لعودة اللحن وهو يقفل على «فا مينور» عبر سلم المينور الصاعد. عندما تراقب حركة أصابع يده اليسرى على مفاتيح اصابع البيانو، تنتبه إلى أنه يستخدم بشكل عام اصابع الابهام والسبابة والوسطى لعزف اللحن الرئيسي، والاصبعين الباقيين لعزف اللحن الكونتربانتي المرافق للاصابع الثلاث الاولى، أو لتكملة الأكوردات المتداخلة مع اللحن، ولعزف النوتات العميقة للتونيك الخاص للأكودر المرافق. الملاحظة الاخيرة هي استنتاج أنّ هناك احتمالاً أول أن يكون عمر قد كتب القطعة ليد اليسار متقصّداً إخراجها بهذا التنظيم الدقيق ليصل باللحن الى هذه القدرة الدرامية العميقة بقوة التعبير عن الوجع الممتد، وصولاً الى ألم الفقدان ليد اليمين الاساسية في العزف على البيانو... أو أنّ عمر كتب القطعة لاصابع اليدين العشر، ثم بعد الحادث والانفجار قام بإجراء تعديلات عليها لاعادة صياغتها ليد اليسار فقط بهذه الكثافة التي وصلت بالتعبير الموسيقى الى مستوى عال من البلاغة الفنية التي غيّرت التعبير الخاص بدور يد اليمين برؤية ذكية حمّلت يد اليسار تلك المسؤولية التعبيرية التي استطاعت روحه العزفية أن تعيد قول روح التأليف بهذا السحر والروعة المكثفة!
عموماً في الحالتين، أثبت عمر رحبانيته الاستثائية التي تكرست في مقطوعاته المتعددة الساحرة التي أتحفنا بها منذ عزفه لها مع الاوركسترا التي رافقته في «مهرجانات بيت الدين» أو في مؤلفه الاستثنائي على مسرح الجامعة الاميركية! بدا لنا عمر وقتها في المكانين أصيلاً بجذوره الرحبانية، ولكنه كان ايضاً متطوراً في فهمه الحديث لادق تفاصيل الصناعة الموسيقية لناحية التعامل مع الميلوديات والاوركستراسيون. طاقة كبيرة تجتمع في ثنايا شخصيته الواعدة بالكثير، عدا الموهبة الرحبانية، وهي تسير بتوكيد مع الثقافة الموسيقية العالمية التي تجتهد دائماً في اثارة الدهشة وهي تقول خصوصية زمنها المختلف. بين طيات هذا الوصف، يمكن للمراقب أن يقول الكثير مما هو واعد. كلام يخرج عن وجود ودور الموهبة والروحية والرؤية التي تتطلع إلى الأمام كأنها لا تعرف ماذا تريد فقط! بل تسعى اليه بكل قوة وحنكة. اثبت عمر انه مؤهل لدخول عالم التأليف الرحباني الذي يتطلع الى الامام من دون أن يقطع مع جذوره. قد يكون عمر ما زال في نضج البدايات التي ستؤدي الى التميز. هناك ايضاً قدرته على اثارة الدهشة في خلق الميلوديات وفن أركستها بتوزيع أوركسترالي رحباني الهوى يعرف جيداً انجازات الجد منصور واخيه عاصي في التأكيد على خوض نماذج الهارموني مودال، وما يناسب طبيعة وجذور موسيقانا الشرق عربية.. وفي العودة الى جواب على السؤال الاول، يمكن القول بأن يد عمر اليسار سواء كعزف واداء وتأليف وتوزيع، قد أجادت وابدعت وحملت شرف تمثيلها لِيَد اليمين حتى اشعار آخر!




ه