نصل إلى المحطّة الثالثة والأخيرة من سلسلتنا التكريمية لإيطاليا ورموزها في مجال الموسيقى. لمعرفة دوافع هذه التحية، يمكن مراجعة مقدّمة المحطة الأولى (الأخبار 18 حزيران/ يونيو الماضي)، وللاطلاع على أسباب التأخير الذي طال نشر المحطة الثانية يمكن مراجعة مقدّمتها (الأخبار 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري). إذاً، بعد العودة إلى تاريخ إيطاليا القديم مع المؤلف جيوزيبيه تارتيني (250 سنة على رحيله) في المقالة الأولى، ثم الإضاءة، في الثانية، على تاريخها الحديث مع عازف البيانو أرتورو بينيدتّي ميكيلنجلي (مئوية ولادته)، نختم اليوم مع نظرة إلى مستقبل هذا البلد من خلال نجمه الصاعد في عالم الموسيقى، عازف البيانو الشاب فيديريكو كولّي (1988).

للرجل تسجيلات قليلة، لكنّها كافية لرسم ملامح مسيرته الواعدة في هذا المجال. تأخّر كولّي في إطلاق مشروعه الجدّي في التسجيل لأسباب لها علاقة في عدم توافر ناشر يوقّع معه عقد عمل. لغاية الآن في رصيده ثلاثة ديسكات فقط، صدرت عام 2018، 2019 و2020 على التوالي، عند ناشر عريق ومحترم (Chandos) لكنه معروف أقلّ من العمالقة. لديه ديسك يعود إلى 2014، عند ناشر مستقل ومغمور، لا يعدو كونه محاولة أولى للفت نظر جهةٍ مرموقة في الإنتاج والنشر. فالرائج هو أن تنطلق مسيرة عازف البيانو المحترف في مطلع العقد الثالث من عمره، لكنّ ثمة ما يسهّل ذلك، مثل المشاركة والفوز في مسابقة، أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي. الغريب أن كولّي فاز في موسم 2011/2012 بالمرتبة الأولى في مسابقتَين (Leeds وSalzburg Mozart Competition)، بالتالي ربما هناك أسباب أخرى حالت دون احتضانه من قِبَل ناشر محترم في ذلك الحين.
إيطاليا لديها وفرة من الموسيقيين في مجال الموسيقى الكلاسيكية. فهي أحد أعرق وأهم مصادرها، والعبارات المستخدمة في النظريات الموسيقية، لا يجب أن ننسى أن معظمها إيطالي. في ما خصّ العزف على البيانو، ليست الأولى من حيث الأهمية والعدد (نسبةً لما هو متوقّع)، لكنّ رموزها كبار جداً في مجالهم، مثل المكرَّم في المحطة الثانية من هذه السلسلة، وتلميذه، المعلّم اليوم، ماوريزيو بولّيني. من هنا، يمكن اعتبار فيديريكو كولّي أمل البيانو الإيطالي الكلاسيكي في المستقبل القريب، علماً أنه ليس الوحيد في صنع هذا الأمل، إذ نذكر مثلاً مواطنته بياتريتشه رانا التي أمّنت دفعاً قوياً لمسيرتها من خلال ديسكها الأخير (2019 — أعمال لرافيل وسترافينسكي).
فيديريكو كولّي عازف من الطراز الرفيع تقنياً (ككل الكبار) وفكرياً (كقلة من زملائه). مقاربته للعزف حديثة إن صح الوصف، ما يتيح له إعادة فتح أبواب اعتقدنا أنها أغلِقت بإحكام، ونقصد تحديداً النتائج التي يحققها حالياً في مجال أداء سوناتات المؤلف الإيطالي من عصر الباروك، دومينيكو سكارلاتي (1685 — 1757)، بعدما سمع العالم أداء العمالقة، من كلارا هاسكِل (منتصف الخمسينيات) وبعدها فلاديمير هوروفيتز، ثم كريستيان تساخارياس وبعده إيفو بوغوريليتش وغيرهم ممن قدّموا مساهمات في هذا الريبرتوار (على البيانو طبعاً، إذ ثمة فرع آخر، هو عزف سكارلاتي على هاربسيكورد، والمقارنة بين الفرعَين ليست قائمة).
فيديريكو كولّي، المولود في بريشيا، يتمتّع بعلاقة خاصة بالموسيقى، إذ يفرد مساحةً أساسية للتحليل المعمّق والتأمّل، من منظار عصرنا، بمواضيع ذات صلة، بدءاً من المؤلفين الكبار وأعمالهم وكيفية مقاربتها اليوم، وصولاً إلى الفن عموماً وأين تكمن أزمة مجتمعنا في علاقتها بالجمال. إلى جانب مهمّته الأولى في صناعة تسجيلٍ ما، أي أداء الأعمال التي يختارها، يغوص العازف/ المفكّر في الفكرة العميقة التي دفعته إلى اختيار هذا المؤلف أو ذاك، أو هذه الأعمال أو تلك، ليشرح بأسلوب شيّق المفهوم الذي يقوم عليه الديسك الذي يقدّمه. على سبيل المثال، إصداره الأخير، وهو الجزء الثاني من سلسلة يخصصها للمؤلف الإيطالي سكارلاتي، يقوم على مفهوم «ثنائية الأضاد» التي تخلق، متى اجتمعت، التناغم المثالي الذي يصنع، بالضرورة، أي جمال. فالرجل شديد الاطّلاع على التاريخ وشديد المراقبة للحاضر. بالتالي، هو يدرك تماماً كيف ولماذا يُمعن المجتمع اليوم في الجنوح نحو القبح، متخطّياً إرثاً هائلاً من الجمال وفاقداً القدرة على صناعة جديد بمستواه. هذا الاتّقاد الفكري عند كولّي لا يفيد الجمهور من الناحية الفلسفية فحسب، بل يفتح أيضاً آفاقاً جديدة في علاقة المستمع بأعمال يعرفها (من خلال تسجيلات سابقة) ويجعل أداء الرجُل أو خياراته الأدائية أكثر وضوحاً (مثلاً، نفهم لماذا اختار سرعة إيقاع عالية نسبياً في هذا العمل، أو لماذا أطال وقت بعض مساحات الصمت في تلك المقطوعة). بالمناسبة، هذا ليس رائجاً في مجال الموسيقى (الكلاسيكية أو غيرها)، فالموسيقيون قلّما يشاركون في صياغة كتيّبات الأسطوانات، وتحديداً من خلال نصوص فلسفية الملامح، علماً أنه أمرٌ مطمئن أن نرى بعض عناصر الجيل الجديد يفعل ذلك.

يتمتّع بسلطةٍ في الأداء عائدة إلى قدراته التقنية العالية، وأيضاً إلى ثقة بالنفس في خيارات الأداء والمقاربة


من ناحية أسلوبه في العزف، يتمتّع فيديريكو كولّي بسلطةٍ في الأداء. هذا لا يمكن ردّه فقط إلى قدراته التقنية العالية، بل أيضاً إلى ثقة بالنفس في خيارات الأداء والمقاربة، وهذا ناتجٌ بدوره من فهمٍ فنّي عميق للعمل، كمادة عمرها مئات السنين (كما هي الحال بالنسبة إلى الريبرتوار الذي يعمل عليه في ديسكاته الثالثة الأخيرة: سكلاراتي 1، باخ وسكارلاتي 2)، وكمُنتج فنّي يقدَّم في هذا العصر. ملمسه لمفاتيح البيانو مذهل في الأناقة والرشاقة. يده اليسرى تتمتع بشخصية مستقلة وحاضرة دوماً. الإيقاع عنده ممسوك بيدٍ فولاذية (وهذا ضروري في أداء عصر الباروك). الديناميكية تتبع مساراً دقيقاً، يفضي غالباً إلى انفجارٍ متوقّع/ مفاجئ يُقفَل به العمل. جمله مدروسة بعناية، لناحية ملامحها منذ ولادتها إلى نهايتها مروراً بتطوّرها. لديه رؤية شاملة للعمل، فهو يعرف كيف «يبدأه» وكيف «يختمه» وكيف يسيّره بين هاتين النقطتَين. قد يبدو هذا الكلام فلسفةً بلا معنى أو شرحاً غير مفهوم في أحسن الأحوال. ربما، لكن ما نصفه يمكن «رؤيته» بوضوح إن وجدتم بعض الوقت للاستماع، أقله، إلى إصدار كولّي الأخير (شباط/ فبراير 2020) الذي يحوي 16 سوناتة من مستودع الـ555 سوناتة لسكارلاتي. فالسوناتات الرشيقة، معه أرشق. تلك الحزينة، معه أحزن. تلك الحالمة، معه مسافرة في الفضاء. تلك الـ«باخيّة» الهوى، معه تصبح كأنها تحمل فعلاً توقيع المعلّم الألماني. تلك التهويدية، معه نغفو عليها (نقصد آخر سوناتة في الألبوم، وربما مكانها مقصود في الختام لهذا الغرض!). كل ذلك مدعومٌ، أولاً، بالآلة بحدّ ذاتها، إذ يلعب العازف الإيطالي على بيانو «شتاينواي» يتمتع برنّة فخمة على امتداد مروحته، تميّزه بسهولة عن آلات من ذات الماركة (شتاينواي) والطراز (D)، وثانياً، بهندسة صوت ناصعة بكل أبعادها.
ألبومه السابق، الذي صدر عام 2018، خصّصه لباخ، وقدّم فيه أداءً مميزاً من دون أن يتفوّق على تسجيلات كبيرة (علماً أنه، في بعض المقاطع، تخطى الكبار فعلاً)، لكنه بالتأكيد يبشّر بنتائج ستكون ممتعة جداً بالحد الأدنى، إن عاد إلى المؤلف الألماني في السنوات المقبلة. في هذا السياق، أرسلنا إليه أربعة أسئلة وانتظرنا ردّه الذي لم يصل (بعد)، بالتالي، سنجيب نحن عليها بمجرّد توقّعات: من هو عازف البيانو المفضّل لديك؟ نتوقّع: إيفو بوغوريليتش (الذي يبدو تأثره به واضحاً). ما هو مشروعك المقبل؟ نتوقّع: جزء ثالث مخصّص لباقة من سوناتات سكارلاتي. كم جزء من سوناتات سكارلاتي ستقدّم؟ نتوقّع: خمسة. هل تخطط لديسك ثانٍ مخصص لباخ وما هو العمل أو الأعمال التي تنوي أو تودّ تسجيلها من ريبرتواره؟ نتوقّع: بالتأكيد. ونتمنّى: «تنويعات غولدبرغ».







اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا