حيفا | فقدت الحركة الأدبية الفلسطينية في الجليل، الأسبوع الماضي، أحد أهمّ وأعرق أصواتها، هو القاص والشاعر والمناضل الشيوعي حنا ابراهيم، عن عمر ناهز الـ 93، بعد سنوات من اعتزال الظهور العام بسبب متاعب الشيخوخة الصحية وأعبائها. ولد حنا إبراهيم لعائلة متوسطة الحال في بلدة البعنة، في الشاغور الفلسطيني، عام 1927، وتخرّج من «مدرسة عكا الثانوية» قبل أن يلتحق في عام 1945 بـ «مدرسة الشرطة الفلسطينية» خلال الانتداب البريطاني على فلسطين، ومنها تخرّج دركيّاً، وخدم حتى النكبة. انتسب في أيار (مايو) 1948 إلى «عصبة التحرر الوطني»؛ التنظيم الشيوعي الفلسطيني الذي كان إميل حبيبي وإميل توما بين مؤسسيه، وساهم مع رفاقه في العصبة في تعزيز صمود أهل الجليل ومنع تهجيرهم.

في أيلول (سبتمبر) 1948، شارك في إحضار المنشور التاريخي لـ «عصبة التحرر الوطني» إلى الشاغور، وفي توزيعه، وهو المنشور الذي قبل فيه الشيوعيون الفلسطينيون «قرار التقسيم» في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البلاد. وخلال ذلك اعتُقل على يد جيش الإنقاذ واتُّهم بالخيانة العظمى، وحكم بالإعدام، وفيما كان ينتظر تنفيذ الحكم، فرّ جيش الإنقاذ بقضّه وقضيضه تاركاً الفلسطينيين يواجهون مصيرهم وحدهم، فنجا.
بعد قيام «إسرائيل» عام 1948، انتسب إلى الحزب الشيوعي، وناضل في صفوفه، وكان بين أعضاء تحرير مجلة «الجديد» الثقافية التي أسّسها الحزب مطلع الخمسينات في حيفا وصارت المجلة الثقافية الفلسطينية الأهم بعد النكبة.
عمل لسنوات طويلة حجّاراً وبناءً في النهار، ومحترفاً حزبياً وكاتباً في الليل، واستمر على هذا الحال حتى مطلع الستينات، حين انتقل للعمل مديراً لمطابع صحيفة «الاتحاد» الحيفاوية. سافر إلى موسكو منتصف الستينات لدراسة الفلسفة الاشتراكية في المدرسة الحزبية، فتعلّم اللغة الروسية وترجم منها بعض الأقاصيص والأشعار التي نشرها في «الاتحاد» و«الجديد» وفي صحافة الحزب الشيوعي.
أسّس أول خلية للحزب الشيوعي في بلده، البعنة، (بلد الفنان محمّد بكري، أيضاً) التي عرفت لاحقاً بفضله، وبفضل شيوعيي جيله بـ «البعنة الحمراء»، وانتخب في 1978 كأول رئيس مجلس منتخب لبلدته. ومنذ مطلع الثمانينات، تفرّغ للكتابة الأدبية التي قدّم فيها عدداً من الأعمال القصصية والشعرية اللافتة، استهلها بمجموعته الأولى «أزهار بريّة» (1972) لتتوالى بعدها أعماله الأدبية، قصّة وشعراً وروايةً، فأصدر: «ريحة الوطن» (قصص ــ 1979)، و«صوت من الشاغور» (شعر ـــ 1981)، «الغربة في الوطن» (قصص ـــ 1980)، و«نشيد للناس» (شعر ــــ 1992).
خلال عقد التسعينات، راكم عدداً من التجارب الروائية، فقدّم «أوجاع البلاد المقدّسة» (رواية ـــ 1997)، و«موسى الفلسطيني» (رواية ــ 1998)، و«عصفورة من المغرب» (رواية ـــ 2000)، وجميعها صدرت عن «منشورات الأسوار» في عكا، الذي كان رئيسها الفخري حتى اعتزل نشاطه العام بسبب متاعب الشيخوخة، مطلع الألفية الجديدة. وبالتوازي، قدّم سيرته الذاتية الملهمة «ذكريات شاب لم يتغرّب» (1996) التي استعرض فيها أحداث قرن فلسطيني كامل، كان وجيله شاهدين على أحلامه وخيباته، كما عزّز قيم ومعاني البقاء في الوطن والنضال «من داخل السجن الكبير» التي كانت موضوعات مركزية في غالبية أعماله الأدبية وجلّ نشاطه السياسي.

عزّز قيم البقاء في الوطن والنضال التي كانت مركزية في أعماله الأدبية


في 1989، ومع بوادر انهيار دول المنظومة الاشتراكية، كان من مؤيدي سياسة البريسترويكا، وفُصل من الحزب الشيوعي على هذه الخلفية، لكنّه ظلّ ماركسياً حتى الرمق الأخير، واعتاد أن يردّد أن خطأ الماركسية كان في التطبيق وليس في النظرية، وظلّ- حتى رحيله- يعتبر نفسه «آخر الشيوعيين الماركسيين الصادقين»، على حدّ قوله.
بين مآثره الكثيرة، نشيد ردّدته آلاف الحناجر، على مدى عشرات السنوات، من دون أن يُعرف على نطاق واسع أنّه هو «مؤلّفه»، وهو النشيد الذي ردّدته الجماهير في مظاهرات يوم الأرض الفلسطيني عام 1976، وفي كل المناسبات الوطنية اللاحقة على يوم الأرض:
«نادى المنادي في الجليل/ أرض العروبة للعرب
جليلنا ما لك مثيل/ وترابك أغلى من الذهب
ما نرضى بالعيش الذليل/ ولو صرنا لجهنم حطب»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا