ارى وجهاً دافئاً ينهض من حلم ازلي قديم ولدت منه... احبه ويحبني! أتحسس حلماً مثيراً يتجدد بطيئاً لكن واثقاً... أجهله ويعرفني! أرى مارداً مرصعاً بالحب رأسه موشحاً بالبرق، عينيه تشرقان بالبصيرة، ومن أصابعه تسيل الحكمة كنهر يهدر في دورة دمه، حيث للحب عرشٌ ومجدٌ وجددٌ وصولجان! أرى شيخاً ساهراً لا ينام الا قليلاً بعد الشفق! لعينه اليمنى عمق الأبد، ولعينه اليسرى بُعد الأزل... شيخ يسير الى الامام ولا ينظر خلفه ابداً. حارَ الموت في سرّه فتجاهله حتى اجبره حقد الاغتيال وجهالته على النهوض غصباً عنه لتلسعه سماحة المحبة التي تتجاوز كل جبروت الحقد والانتقام بسحر كلمة ووردة ورغيف خبز ساخن، فجلس الموت تحت ظل الشيخ يستريح، عندما رآه الشيخ حائراً في أمره رحّب به وأولم له على مائدة الحكمة، نظر الموت في عينيه بوجل ثم دار حول سره مباركاً الروح عبر كل لونٍ وبعدٍ وظل وزاوية. ولما لم يجد في ما يمكن له أن يبتكر ويضيف، نظر الى الشيخ حائراً. بسّط الشيخ للموت ابعاد المسألة، وصبّ له فوق خبز الفكر مرق الفلسفة وأضاف لها العديد من مكونات النزعات الباقية بسطوتها لا محالة تداري يأس الرغبات التي لا تُسمن ولا تغني عن جوع الموت وهو يجتهد لتحصيل ما يسمح له زمن الروح من توق لأسرار المعرفة، ثم نفخ فيها الشيخ من روحه رحيق وردة رشٌَ غبار طَلَعِها في طبق الفلسفة والتراث! نظر الموت الى الشيخ بوجل وبكى وهو يعترف بالغباء، ثم أطرق مفكراً يكتشف فيه بفرح أزل الحكمة وسرّ مجدها! نهض الشيخ يطيّب خاطر الموت بشيء من الحنكة والوجل يعتريهما معاً... وبكثير من الحب، أهداه الشيخ بعضاً من اسرار البصيرة. ذُهِلَ الموت وقبل أن يمسح عن عينيه رهبة الاسئلة، كان الشيخ قد أشرع سيف الحكمة وبحصانه عاجله بعبور مفاجئ الى غياب يقتحم المسافة بين سطوة الجبرية وكبرياء القدرية!

عندما ادرك الموت ابعاد ما جرى له مع الشيخ، شرع يضحك بعدما بكى! وبقي لايام وأيام صامتاً مفكراً لينهض بعدها وهو يجمع بحزم كل ما تعلم وعرف وصادف والتقى من أسباب الجهل والفقر وعمائم وكهنوت الظلام... لفّها الموت جميعاً بكفنٍ من جبرٍ وغباء وأشعلها امام كل الأحياء الموتى ليعلمهم أنّ العلاقة بين أبد الحكمة وسر مجدها موجود في لون الرغيف وسر التكوين، وهي تسمو فوق الموت متآلفة في امتداد الزمن وفوق الأبد في اتساع المكان لها. لوح له الشيخ بالروح مستودعاً فيه وفيها سر أسرار الحكمة وبوح البصيرة، وهامساً في أذنه بعد البسملة: من يُؤْتى الحكمه فقد أُوتيَ خيراً كثيراً. ولما جرى ويجري وسيجري فهماً وعمقاً وتفسيراً. حفيد يشهد لجده بما اختبره ذات رؤية