من قتل دارا الزرادشتي؟ هذا هو السؤال الذي شغلني بعد قراءة رواية المبدع طبيب الأسنان البحريني عقيل الموسوي «دارا الزرادشتي» الصادرة عن «دار سؤال» في بيروت قبل شهر. قَتل الإنسان على هويته أو معتقده أو أفكاره أو خياراته، هو واحد من موضوعات السرد الأثيرة. معروف أن الرواية بنت الإنسان، منذ عصر الحداثة، أحلّت الإنسان بطلاً لسردها، بعدما كان أبطال السرد والملاحم والأساطير آلهة وملوكاً وكائنات خارقة. «دارا الزرادشتي» تندرج ضمن الروايات التي تسرد حياة الإنسان وخياراته بما هو إرادة حرة محترمة القرارات، تستطيع التفكير ولديها جرأة استخدام العقل والدين.


أبطال الإرادة الحرة
رفض دارا استخدام السيف حتى دفاعاً عن نفسه، لكنه لم يتخلّ عن سيف إرادته وشجاعة خياراته. خاض المخاطر من أجلها، وظل مستعداً لتقديم حياته من أجل احترام حرية إرادته.
في المشهد الأخير من الرواية، يحدثنا دارا عن حوار اللحظات الأخيرة قبل قتله: «يا مهرطق، لا أحد يجهل تاريخك الأسود، والتحاقك بإمام الإسماعيليين، ولولا شفاعة الخونة لقطع هولاكوخان رأسك، مثلما قطع رؤوس الملاحدة الفاسدة.

منمنمة عن مقتل زارادشت (حوالى 1570)

لا أصدق أنه يصف الخواجة الطوسي بالخائن! لولا المربّي ما عرفت ربّي، كنت أحسن حظاً منه، ربّتني حكماء فارس، وأدّبتني فلاسفتها، وددت أن أعيد عليه حكمتهم، سيدنا زرادشت الذي لقّن فارس درسها الأول: للإنسان إرادة حرة، والرسول ماني الذي رسم تعاليمه للعالم أجمع، وأبي كردير الذي لولاه ما فهمت دوري لتغيير هيئة العالم، والشيخ سعدي الذي أمحى بأخلاقه جميع ما كرهته في المسلمين، والشيخ السهروردي الذي نوّرني بحكمة الإشراق، والبدوي رستم الذي علّمني التوكل على الله، والخواجة العطّار الذي علّمني متى تنتهي إرادة الإنسان، ومتى تبدأ إرادة الإله...».
يذكرنا برواية الراهب «هيبا» وكيف انحاز لخياره ومفهومه للمعتقد المسيحي، ولم ينصع لإيمان المجامع المسكونية وقراراتها المدعومة بسيف السلطة السياسية الرومانية. هذه الرواية جعلتنا أكثر تفهماً لخيارات الإنسان الإيمانية، جعلتنا نحترم مخالفة رجل الإيمان لسلطة الكهنة ورجال الدين.
كذلك أستحضر هنا بطل رواية «الموريسكي الأخير» للروائي المغربي حسن أوريد. أستحضره وهو يخوض محنة الإيمان والاضطهاد بسبب محاكم التفتيش في إسبانيا التي ولد فيها، وأُجبر على الرحيل منها مع آلاف المسلمين.
كنت أقرأ دارا وأنا أستحضر أبطال هذه الإرادة الحرة وخياراتهم، تحضر الإرادة في السرد كسؤال لاهوتي وفلسفي ووجودي. رحل دارا من شيراز بعدما شاهد شيخه البلخي يهان ويُهدد ويُطرد بتهمة أنه معتزلي يقول بحرية الإرادة الإنسانية وتحمل الإنسان مسؤولية أفعاله. رحل ليسأل الشيخ فريد الدين العطار في نيسابور: هل للإنسان إرادة حرة؟ ومتى تنتهي إرادة الإنسان وتبدأ إرادة الله؟ (1)
أقلقته هذه الأسئلة، لأنه تعلّم من إيمانه الزرادشتي أنّ إرادة الإنسان محترمة، ويريد أن يطمئن إلى أنّ نور الإسلام الذي أحبه متطابق مع نور فكرة حرية الإرادة في الزرادشتية. يريد أن يتأكد بأنّ ما أعجبه وهو يتلو القرآن «نور على نور» هو شعار صحيح لحياته وتحولاته. هو يؤمن بأنّ الأفكار الجوهرية في الأديان لن نغادرها حين ننتقل من دين إلى آخر، بل نحملها معنا، ونضيف نورها إلى نور ما انتقلنا إليه. وجد إجابة سؤاله، في دكانة العطار، بعدما عايش العطار عاماً كاملاً، رأى كيف تقوّس ظهر أستاذه ولم تتقوّس إرادة الخير فيه. يجمع الأعشاب ويعصرها ويقطرها ويقدمها للفقراء والمحتاجين. فهم إرادة العطار كإرادة معاونة لإرادة الله في فعل الخير، الإنسان معاون الله، يعاون هذه الإرادة الإلهية في تحقيق الخير.
الإنسان بما فيه من حب وعشق للخير الكلي، لا يمكنه أن يقتل أو يعمل الشر. تعلّم دارا من العطار أن إرادته لا بدّ من أن تكون خيرة، لذلك، رفض حمل السلاح. وجد ذلك عملاً متوحشاً، لا يليق به كعاشق ذائب في الألوهية. يُلفتنا دارا إلى أن الإنسان في إيمانه كالثلج الذائب في ماء الألوهية، وكالموجة الغارقة في محيط الله، لا يمكنه أن يكون شيئاً مضاداً لخير الله ورحمته.
مثّل السرد حكاية دارا، ومسيرته وهو يشكّل ذاته وهويته ونوره ودينه بالطريقة التي خطتها إرادته الخيرة، لم يكن خاضعاً لأحد.

شرعية القتل
لا فعل من دون شرعية تعطيه الإذن، ولا فعل من دون منظومة فكرية تُجمّله، ولا فعل من غير قصدية توجّهه. لا أتحدث عن الأفعال البايولوجية، ولا أقصد الأفعال البسيطة اليومية، بل أتحدث عن الأفعال التي تعبّر عن غايات الإنسان ورسالته ورؤيته وخياراته في الوجود. لا يقوم الإنسان بفعل من هذه الأفعال إلا وهو محاط ومدفوع بمنظومة، يمكن أن نصفها بأنها شرعية أو مدنية أو إيديولوجية. هل كان يمكن أن يُقتل دارا من دون منظومة عقائدية وشرعية تعطي القاتل الإذن وتأمره بما يجب عليه القيام به؟
هذا السؤال يتطلّب أن نفكّك هذه المنظومة، لنعرف كيف أنتجت فعل القتل. قام السرد في رواية «دارا» بوظيفة تفكيك هذه المنظومة، وهذا مكّننا من رؤية بشاعة فعل القتل، وكيف أنه مركب من تاريخ وسياسة وعقيدة ودين وحضارة وبداوة.
سؤال من قتل دارا هو مساءلة لهذه المنظومة المركبة التي جعلت القتل فعلاً مشرعناً بحسب وجهة نظر الفاعل والسلطنة والخلافة الداعمة لهذه المنظومة. وهذا ما شرحته مفصلاً في كتاب «نصوص متوحشة» (2)، وأكدت فيه أن التكفير موضوع سياسي، من حيث الدوافع والخلفيات، وهو بمثابة استراتيجية تضعها السلطة السياسية لمواجهة معارضيها، وأن الخلاف على تحديد الخليفة، أوجد الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، والناطق باسم الخلافة هو من أنتج النصوص المتوحّشة ليتخلّص من خصومه بشرعنة قتلهم.

إرادة الخلافة
إرادة الخلافة تحولت إلى كتلة صلبة من الاعتقادات النهائية المغلقة، واعتبرتها السلطة الحاكمة إرادة الله. قام السرد في رواية دارا بمهمة تفكيك هذه الإرادة تفكيكاً يساعدنا على فهم تركيبتها الدنيوية والسلطوية. أتاح لنا السرد برؤيته المتسعة أن نرى الشر البغيض الذي أباح هذا القتل. السرد حرّرنا من فهم كتب الملل والنحل والعقائد وعلم الكلام والقائمين عليها، فهذه المنظومة تشرّع القتل وتبرّره وتحضّ عليه وتعتبره معبّراً عن الإرادة الإلهية. لم تتح لنا هذه المنظومة أن نفهم الأديان السابقة ورجالها، بل جعلت منهم معجماً لاشتقاق صفات الكفر. لنأخذ صفة الزندقة مثلاً «لفظ زنديق لفظ غامض مشترك قد يُطلق على معان عدة… فكان يطلق على من يؤمن بالمانوية ويثبت أصلين أزليين للعالم، هما النور والظلمة، ثم اتسع المعنى من بعد اتساعاً كبيراً حتى بات يُطلق على كل صاحب بدعة وكل ملحد، بل انتهى به الأمر أخيراً إلى أن يُطلق على من يكون مذهبه مخالفاً لمذهب أهل السنة» (3)
لنسأل كيف يحضر ماني في هذه الكتب، وكيف يحضر في سرد «دارا»؟
«في سنة 163هـ، بدأت حملة المهدي العنيفة على الزنادقة… وكان يقبض على الزنادقة لأقل شبهة، ويؤتى بهم أمام القاضي… يطلبون إلى الزنديق البصق على صورة ماني» (4).


إنه رأس الزندقة الذي يستحق البراءة بالبصق على صورته. في مقابل ذلك يقدم لنا دارا فهماً أرحب وأوسع وأجمل لماني الذي حاربته ديانته الزرادشتية قبل أن يحاربه الإسلام. ومع ذلك هو تجاوز إرث ديانته الأمّ وراح يفهم (ماني) من خلال صداقته مع أحد أتباعه في أول رحلة خروج له من بلدته يزد. نجد السرد في رواية «دارا الزرادشتي» بتتبّعه الدقيق لحكاية الإنسان دارا، وقد قدّم فهماً أرحب وأوسع لحكاية هويته المركبة التي عبّر عنها البطل على لسانه وهو يمشي إلى مقصلة القتل.
«ولدت زرادشتياً من آل كردير ثم أسلمت على يد شاعر الفرس الشيخ سعدي، وقال لي الشيخ البلخي إني معتزلي، ثم تدروشت ورأيت النور المحمدي في حياة الخواجة العطار، صرت ثائراً إسماعيلياً، وانتهيت أخيراً لأكون شيعياً» (5).
نعود إلى سؤال من قتل هذه الهوية المركبة العابرة؟ الرواية تضع تفاصيل سردية كثيرة لكيفية تكوين وبناء هذه الكتلة الصلبة القاتلة، التي أعطت شرعيتها ومباركتها لفعل القتل، يحضر فيها الوزير السلجوقي نظام الملك، ومدرسة نظام الملك، وكتاب الغزالي فضائح الباطنية، وتحضر فيها الخلافة وعقيدتها الأشعرية المعادية والمكفّرة للفرق الأخرى.
إن قتل دارا ليس فعل شخص واحد، بل هذا القرار قد بني بناء تاريخياً وعقائدياً وسياسياً حتى صار سيفاً على رقبته.

وقائع القتل
على مستوى الوقائع، ارتبطت نهاية دارا بنهاية سلطنة أوليجايتو المغولية. بعدما اعتنق المغول الإسلام، حدث أنّ أحد سلاطينهم وهو «أوليجايتو» أُعجب بالتشيّع، وكان مندفعاً بحماس لإضفاء الطابع الشيعي على مظاهر الدولة كلها. وهذا ما وجد فيه دارا مقتلاً للدولة والناس. وبالفعل بمجرد أن مات السلطان المغولي المسلم الشيعي بعد سبع سنوات، خلفه ابنه «أبو سعيد»، فجاء بوزير شاب تبدو في جبهته آثار العبادة والسجود، وأمره بأن يقوم بمهمة نزع الطابع الشيعي بالقوة وإضفاء طابع أهل السنة والجماعة على الدولة، فقام بعملية تطهير شاملة لأجهزة القضاء والشرطة والجيش ومناصب الدولة العليا، واستبدل أسماء الخلفاء الراشدين بشعار العملة الذي كان يحمل أسماء الأئمة وكتب على الوجه الآخر من العملة «فسيكفيكهم الله» وهو يعني بذلك أن الله سيهلك العناصر الشيعيين ويكفيك من شرهم، وكان دارا في مقدمة هؤلاء.
تحوّلت هذه الآية إلى شعار للدولة. أتلف الوزير كتب الشيعة التي جمعها الخواجه نصير الدين الطوسي في «رصدخانه»، واعتبر رؤوس العلم في مكتبة ومرصد الطوسي رؤوس كفر وضلال وجميع ما فيها من كتب هي كتب كفر، تُؤَلّه البشر خلافاً لظاهر السنة والقرآن.
يحدثنا دارا في سجنه عن سبب مقتله الذي سيؤول إليه. يقول إنه النزاع بين مدرستَي الظاهر والباطن. الظاهر هو السلطة ومنظومتها وفقهاؤها وعقيدتها الذين انتصروا للمعتقد الأشعري والسلف. والباطن هو المتصوّفة والفرق الهامشية من الإسماعيلية والباطنية والشيعة. لقد أُعجب دارا بالباطن العابر للمذاهب، أُعجب بباطن شيخه سعدي، وهو السنّي الشافعي، وأُعجب بباطن شيخه البلخي وهو سني حنفي معتزلي، وأُعجب بباطن شيخه العطار وهو سني ينتمي إلى أحد المذاهب الفقهية الأربعة. أُعجب بكل هؤلاء وافتخر بهم، لكنه لم يعجب بأهل الظاهر الذين حوّلوا السنة إلى ظاهر يتحكم به الخليفة وفق عدائه السياسي، فهذه سيف للقتل، وقد قتلته بالفعل.
ارتبطت نهاية دارا بنهاية سلطنة أوليجايتو المغولية، بعدما اعتنق المغول الإسلام


يُسقط دارا فكرة الظاهر والباطن على وضعه في السجن. يقول إن سجن الظاهر يحرّرني من سجن الباطن. هو يقصد أنه مسجون من قبل أهل الظاهر، ويقصد كذلك أنه في الظاهر مسجون، لأن جسده مسجون، لكنه حر في باطنه وحرّ في إرادته وخياره. «فالظاهر والباطن اسمان من أسمائه الحسنى، الأول يفسره والآخر يؤوّله، وهما الآن في صراع، أنا مع الباطن وخصمي مع الظاهر مسجون وسجّان» (6).
من قتلوا دارا هم من تمسّكوا بالظاهر، وتصلبوا فيه وحوّلوه إلى منظومة قتل. لذلك يذكرنا دارا، بأنّ المغول قبل أن يسلموا، كانوا يقتل بعضُهم بعضاً على مستوى الطامعين في الحكم، تنازعاً على السلطة. لكنهم بعدما أسلموا، صار الوزير يقتل الوزير والعالم يقتل العالم، أي صار الوزير الذي يمثل منظومة الظاهر يقتل الوزير الذي كان يمثل منظومة الباطن، وصار العالم الظاهر يقتل العالم الباطن.
لعل دارا في لحظاته الأخيرة، وهو في طريقه للقتل، تذكّر ماني الذي قُتل بفتوى من أحد أجداده الكبار، كبير الموابذة لأنه وجد في إيمان ماني ما يهدد إيمان الزرادشتية، فأمر بقتله والتنكيل بجماعته. وهذا التاريخ المتوحّش، تخلص منه دارا في أول قافلة التحق بها في رحلته الوجودية الكبرى. لم ينكر ذلك ولم يُجمل تاريخ جده ولا تاريخ ديانته، كأنه يلقّننا درساً عميقاً، في أن نعترف بالجانب المظلم من تاريخنا ونعتذر عنه ونحتفظ بالجانب المنير.

* كاتب بحريني

1- عقيل الموسوي، دارا الزرادشتي، ص398-399.
2- انظر: علي الديري، نصوص متوحّشة، التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية، ص30.
3- عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص28.
4ـ عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص31.
5ـ عقيل الموسوي، دارا الزرادشتي، ص395.
6ـ عقيل الموسوي، دارا الزرادشتي، ص396.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا