انطفأت اليوم، الأحد الكاتبة والطبيبة والناشطة النسوية المصريّة نوال السعداوي (1931 – 2021) عن عمر ناهز التسعين عاماً، بعدما تراجعت حالتها الصحية في الأسابيع الماضية. وبهذا خسر العالم العربي أحد أكثر الأصوات النسوية جذريّة، بإلهامه أجيالاً من النسويات في البلدان العربية والعالم. قضت السعداوي سنواتها الطويلة في مقارعة السلطة الدينية والسلطات السياسية، خصوصاً في كتاباتها عن العلاقة الراسخة ما بين بين السلطة السياسية والبطريركية. في مذكّراتها «أوراقي... حياتي» (1995) التي صدرت في ثلاثة أجزاء، كتبت السعداوي «منذ ولدت حتى بلغت الستين من عمري، وأنا أعيش في مصر، أحاول أن أتذكّر يوم مولدي، لا أذكر شيئاً سوى أنني ولدت «ولدت أنثى»».


وفي هذه الجملة ما يشير إلى الذكريات التي شكّلت ملامحها وبعثت سخطها ضدّ الموروثات، أبرزها مثل تعرّضها للختان في السادسة من عمرها، وغيرها من التجارب التي تستعيدها في مذكّراتها.
درست السعداوي الطب، وتخصّصت في الطب النفسي، إلا أن الكتابة شكّلت أداتها الأساسية أيضاً، بكتابتها حوالي خمسين عملاً طوال مسيرتها، لم تركن فيها إلى نمط معيّن، بل تراوحت بين القصّة والرواية، والمقالات والمسرحيات والسيرة الذاتية والكتب النقديّة التي قادها بعضها إلى محاكمات قضائيّة في مصر، أبرزها إحدى الدعاوى التي طالبت بإسقاط الجنسية المصريّة عنها، سنة 2007، بحجّة «الإساءة للذات الإلهية» عن مسرحيّتها «الإله يقدّم استقالته في اجتماع االقمّة». المسرحيّة التي دفعت «مكتبة مدبولي» إلى إتلاف كل النسخ، كما لو أنها تنفض يديها من التهم التي وجّهت إلى المسرحية.
في أعمالها الأدبية، ظلّت قضايا المرأة حاضرة، خصوصاً صراعاتها لنيل حقوقها السياسة والإنسانية. قضايا قاربتها من موقعها كطبيبة كما في أحد أشهر وأهمّ كتبها «المرأة والجنس» (1972)، الذي منع في مصر طوال عقدين. دفعت السعداوي ثمن ذلك الكتاب، بفصلها من وزارة الصحة، ومن ظيفتها كمحرّرة في مجلة «الصحّة»، إذ شرّحت فيه جسد المرأة طبياً، وواجهت من هذه الزاوية العلمية الأعراف والتقاليد التي تثقل جسد المرأة بعيداً عن الوقائع العلمية خصوصاً ما بتعلّق بغشاء البكارة والختّان، القضية الأبرز في سنوات نضالها الطويلة. بعدها بسنوات أصدرت أيضاً «المرأة والمرض النفسي» (1978)، تناولت فيه علاقة بعض الأمراض النفسية مثل العصاب بالنساء حصراً، مستعينة بشهادات بعض النسوة اللواتي يعانين منه. أما أبرز المحطّات الأدبية الأساسية في تجربتها، فكانت «امرأة عند نقطة الصفر» (1975) التي حقّقت لها شهرة عربية وعالمية بانتقالها إلى حوالي 40 لغة، بالاستناد إلى تجربة حقيقة لامرأة كانت تواجه عقوبة الإعدام. طوال حياتها، كان على السعداوي أن تحارب على كلّ الجبهات. نتيجة كتاباتها النقدية عن موقع المرأة في الإسلام، واجهت الكاتبة المشاغبة مراراً فتاوى القتل والتحريم من قبل الأصوليين، فيما لم تتسع لها الأوساط الثقافية المصريّة، خصوصاً أنها كانت دائماً مدفوعة بصراحتها وبمحاربة ازدواجية الفعل والقول. غير أن ما يعدّ جوهرياً في تجربة السعداوي هو أنها كانت نموذجاً حياً عن الارتباط الجذري ما بين النضال النسوي والنضال السياسي. ففي سنة 1981، اقتيدت إلى السجن في ضمن حملة من الاعتقالات قادها الرئيس المصري آنذاك أنور السادات بحقّ معارضيه. وقد كتبت عن تلك التجربة «مذكّراتي في سجن النساء» (1982)، بالاستناد إلى مذكّرات هرّبتها على مناشف ورقية من داخل السجن. وفي عام 2004، ترشّحت للانتخابات الرئاسية المصريّة، ولم تغب عن ساحات ثورة يناير سنة 2011 ضدّ حكم حسني مبارك.