لم يسلم الوضع الثقافي والفني والمسرحي في كل أرجاء العالم جراء تداعيات وباء كوفيد-19، والإقفال الذي طاول كل المجالات. ولكنْ، في لبنان، كلُّ شيء يأتي مغايراً. فلم تشمل المرحلة الرابعة من خطة إعادة الفتح التدريجي للبلاد، التي أقرّتها اللجنة الوزارية المعنية بكورونا، فتح المسارح. ما يزيد الطين بلةً، أن نقابة الفنانين ووزارة الثقافة، لا يهمهما إعادةُ فتح المسارح، والقيام بخطوات كالضغط على اللجنة، في ظل وضعٍ معيشي صعب، يعيشه العاملون في الشأن المسرحي، وحالة ثقافية متدهورة، تنعكس عليهم أيضاً.

في تطورٍ لافت، عُرضت الأسبوع الماضي، على مدى ثلاث ليالٍ متتالية، مسرحية «عزيزتي ألفت» للمخرج شادي الهبر. فماذا حصل حينها؟ وما الذي دفع للقيام بخطوة إعادة فتح «مسرح المدينة» تحديداً؟
قرارات السلطة اللبنانية، دفعت عدداً من العاملين في الشأن المسرحي، للقيام برد فعل في وجه القرارات غير المنصفة. تضافرت جهودُ عددٍ من الفنانين اللبنانيين بمن فيهم مخرج المسرحية شادي الهبر، ومؤسِّسة «مسرح المدينة» نضال الأشقر، لإعادة فتح المسرح في شارع الحمراء. لم يكن هذا الفعل تحدياً، وإنما جاء من باب التغاضي عن القرارات غير العادلة، وفق ما يؤكد الهبر لـ«الأخبار». بدورها، غضّت القوى الأمنية الطرف عن عرض المسرحية. ومن المقرّر تقديم عرض «كما روتها أمي» لعلي شحرور في نهاية الشهر الحالي.
يرى شادي الهبر أنّ «الدولة تضرب الثقافة من بابها العريض، تغلق المسارح وتبقي كل شيء مفتوحاً». ويتابع: «استشعرنا حالة الخطر المحدق بالثقافة، المسرح يستغيث، وأكثر مكان يمكن للجمهور أن يتقيّد فيه بالإجراءات الاحترازية، هو جمهور المسرح».
إذاً، عُرضت مسرحية «عزيزتي ألفت»، وقُدمت في سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي، خارجٍ عما نعيشه في الوقت الراهن. قٌدمت بعد غياب وتأجيل، أمام جمهورٍ متعطّشٍ للمسرح، وما ينتج عنه من أفكار وشعور وتفاعلات.
«عزيزتي ألفت» سوف تُقدم أيضاً في مهرجان «مونودراما المرأة» الذي سينظمه «المسرح الوطني اللبناني» في صور، وسيشهد عروضاً تحت شعار «حرية ومساواة المرأة»، في 22 أيار (مايو) المقبل. بدورها، تسلّط «عزيزتي ألفت» الضوء على مواضيع متعلقة بالظلم الذي يلحق المرأة جراء المنظومة الذكورية، وكسر التابوهات المتعلقة بالجنس والدين.
يُعد طرحُ موضوع المسرحية طبيعياً من حيث المضمون، فالفن لا يمكنه أن يقدم طروحات حول المواضيع الراهنة كانفجار مرفأ بيروت أو ثورة تشرين، وإلا يدخل في لعبة الاستهلاك الجماهيري.
في البنية الخارجية، تروي الحبكة المسرحية، قصّة امرأة منذ طفولتها، مروراً بمرحلة المراهقة فالشباب. وتتّسم هذه القصّة بالقيود الصارمة التي تفرضها التربية والمجتمع من قمع وممنوعات، مروراً بقصة حبّ مع رجل من طائفة أخرى، وقرارها الزواج منه متحديةً عائلتها وتحريم دينها لهذا الزواج.

لا يبدو أنّ نقابة الفنانين ووزارة الثقافة مهتمّتان بإعادة فتح المسارح في ظل وضعٍ معيشي صعب يعانيه العاملون


تسرد هذه المونودراما أيضاً، القساوة التي تعيشها المرأة، بعد الزواج، فتتحدث عن إنجابها وطلاقها في ما بعد، والظلم الذي عانت منه، بسبب عدم وجود قانون أحوال شخصية مدني وعادل، ما أدى الى حرمانها من طفلها، بسبب قوانين الأحكام الشرعية. تستكمل الحبكة رواية معركة ألفت مع الحياة بهدف لقاء ابنها من جديد.
في تحليل الشخصية المسرحية، فإن ألفت شخصية ثورية ومتحرّرة من الداخل، بعكس زوجها الذي يدعي اليسارية في الشعارات، في حين يلجأ للشرع بهدف الاستقواء به، لسلب الابن من حضن أمه.
الشخصية لديها رغبةٌ في تكسير القيود والحواجز، نتيجة انغلاق المحيط الذي تعيش فيه. مجموعة «لاءات» تعيشها، وتعكس حالة الرفض للمنظومة الاجتماعية، التي تتمسك بالدين وقشور المذاهب، الكذب والنفاق على حساب حرية الإنسان.
من حيث الإخراج، أتت السينوغرافيا بسيطة، تنتمي إلى المسرح الفقير. المسرحية مونودراما واقعية، فيها مؤثرات صوتية وبصرية، أتت في توليفة، تعكس رحابة شخصية ألفت وعالمها الواسع، بوجه الغرائز ومحرّكاتها.
عادةً ما يتمسّك المخرجون بالنصوص المسرحية العالمية، ويعملون على اقتباسها وتكييفها وإعادة بلورتها ومعالجتها، بما يتناسب مع ما يودون قوله في المسرح. لكنّ شادي الهبر يحبّ خوض غمار تجربة الكتابة المسرحية والعمل مع المبتدئين، لخلق النص المسرحي. بالنسبة إليه، فإن المسرح هو بمثابة مختبر، تُطرح الأسئلة فيه، ويحاول الإجابة عنها. لذلك، يعمل الهبر داخل «مسرح شغل بيت» مع الهواة، لكتابة النصوص وتمثيلها، وإنشاء العروض، «قد لا تكون هذه التجربة في محلها، ولكن أحبّ خوضها، لاكتشاف المهارات» يؤكد الهبر.
قصة المسرحية من تأليف الممثلة ألفت خطار، وهي تجربة حسّية وواقعية عاشتها. تمت إضافة العديد من الأحداث، لتضفي البعد الدرامي على الحبكة. عملت على كتابة تجربتها بنفسها، وخضع النص للتحرير والتنقيح أكثر من مرة.
يحرص شادي الهبر على اكتشاف المواهب التمثيلية الجديدة، والبحث عنها، وإطلاقها. برأيه، فإنّ ألفت التي خضعت لورشات مسرحية على مدى سنوات، تمتلك قوة أنثوية ثورية. رافقها الجمهور، على وقع أنفاسها، واستطاعت أن تحدث في نفسه تساؤلات. فعلاً، فإن أحوج ما نكون إليه اليوم، هو طرح التساؤلات والأفكار، لا إغلاق المسارح والدور الثقافية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا