المُتعارف عليه أنَّ العملَ الإبداعي بشكلٍ عام هو شكلٌ متكامل، إذ أنَّ الرواية مهمَا كانتْ خيالية يجبُ أن تُسلِّط الضوء على الواقع مُستمدة قوَّتها منه وإلا ستظل مجرد تهويمات تعوم في الفراغ لا أكثر ولا أقل؛ بمعنى أنه حتّى لو افترضْنا أنْ الرواية بناء من نسجِ الخيال، إلا أن كل خيال، جذره مغروس في الواقع، ووجهه منعكس على مرآة الواقع أيضاً، كما أنّ القارئ لن يغفل عن ذلك.

نحنُ هنا لسنا في صددِ قراءة رواية تنتمي إلى الخيالِ العلمي، بلْ إنها رواية واقعية. ولأنني قرأتُ جلَّ الأعمال التي وصلتْ إلى قائمة جائزة «بوكر» هذه السنة، أحببتُ أن أكتبَ رأيي فيها بحرية. وانطلاقاً من ذائقتي وقراءتي المتأنية، فإن الرأي الحر السديد في الأخير ينتج عمّا نقرأهُ نحن، لا أن نتبنى ما يقرأه الآخرون. طبعاً وحدها الأعمال الجيدة، تحفزنا للكتابة عنها. ومن بين أعمال جائزة «بوكر» الجيدة لهذه السنة 2021 رواية «نازلة دار الأكابر» للروائية التونسية أميرة غنيم، الصادرة عن «دار مسكلياني». هذه الرواية ذات سرد سلس، إذ أنها تُقرأ في جلسة واحدة من دون ملل، فهي مكتوبة بلغة جميلة، كما أنها أظهرتْ تقاليد تونس وموروثاتها بشكل رائع لمن لا يعرف تونس. لكنها لم تعجبني في العديد من المواطن الجمالية والفكرية فيها، خاصةً الأمور غير المنطقية، التي استغربتُ كيف أن الكاتبة لم تنتبه لها، وجدت أيضاً مطاً في التقديم التفصيلي الذي قُدمت به الرواية فجاء طويلًا جداً، إذ أنه يشرح الرواية للقارئ بدون أن ينتبه أنه لا يترك له المجال لاكتشاف العمل.
أمر آخر، يتعلق بالهوامش التي أثقلت جوّ الرواية. الكاتبة في كل مرة تتحول إلى شارحة، فتخرج الرواية من صفتها النزقة الإبداعية كعمل إبداعي إلى شبه بحث تاريخي، لا هو يملك رصانة البحث ولا خفّة العمل الإبداعي، في اعتقادي _الرواية_ لا تُهمّش بل يجب أن تذيب المعنى داخل المتن ولا تشغل القارئ به.
الكتابة الروائية لا بد أن يكون خلفها ثقافة متنوعة تنأى بالروائي عن الوقوع في الأخطاء الشائعة. فمثلاً عند تصويرها العلاقة المِثلية تظهرها كنتيجة لاضطرابات ومشَاكل نفسية تسبَّبت فيها، بينما الحقيقة العلمية وبحوثها في هذا المجال تفضي أن المِثلية طبيعة يُولد بها الإنسان وليس للمجتمع ومشَاكله دخلٌ فيها.
الرواية وقعت في اللاتسامح الديني وهي تشيطن وتنتقد وتنتقص من قيمة شخصيات عائلة «نيفر» الملتزمة دينياً وتصفها بالأنانية، بينما منَحتْ عائلة «الرصاع» كل الصِفات الإنسانية. وهذا غير واقعي، فالإنسان ليس ملاكاً كله لأنه غير مسلم وليس شيطانا كله لأنه مسلم. مهما كان، فالإنسان يملك جانباً مظلماً وجانباً مضيئاً في شخصيته. لن تبدو الرواية مقنعة وهي تقول القول إن الإسلام هو سبب كلّ التخلف، بل كان عليها أن تترك الشخصيات تقنع القارئ بذلك وأن تتعامل مع الشخصيات بواقعية. فلا يعقل معالجة التطرُّف بالتطرف.
تشعر عندما تقرأ بعض الأعمال الأدبية بأن الكاتب لا يقدَّم لك رواية، بل يفرض عليك مجموعة من الأحكام الجاهزة التي تنفّرك بدل أن تقنعك، في حين أن الأدب هو الذي يقدم العمل الإبداعي ويترك للقارئ حُريَّة التساؤل، كما يقول عبد الرحمن منيف: «لا أعتقدُ أنه ينبغي للأدب أو الرواية أن يأتي بالأجوبة، بلْ عليه أنْ يصوغَ الأسئلة ويغني الحوار بحيثُ تتوسّع وجهة نظرنا فنتطرّق إلى مسائل بالغة الأهمية».
أمر آخر، اتضح لي وأنا أقرأ «نازلة دار الأكابر» وهو تطرقها إلى الطاهر الحداد بشكلٍ جانبي جزئي مبتور، إذ أنها لم تطور شخصيته التاريخية، يحضرني في هذا الصدد قول للروائية ريم الكمالي: «أنا لا أستعرض معلوماتي التاريخية بقدر ما أقدم رواية إنسانية منسية في بطن التاريخ.. كما أن الاستعراض المعلوماتي لا يأتي مع لغة شاعرية، بل تأتي المعلومة في الكتب المؤرخة جامدة ومختصرة لدرجة أنها لا تؤثر في المتلقي، إلا إذا تحولت إلى مشهد روائي أمامه».
أسندَت أيضاً البطولة بالمُطلق إلى شخصية زبيدة كأني بها أرادتْ أن تُلمَّ بكل شيء في الرواية وتعالج كل المواضيع.
لم تَرُق لي أيضاً قصَّة زبيدة والطاهر الحداد، وكأن الحدث الأبرز في هذه الرواية هو الخيانة، إذ أنها أوضحت صورة الطاهر الحداد على هذه الشاكلة، فزبيدة خانتْ زوجها وأهلها لأجله وكأن جزء من الرواية هو تبرير للخيانة.
برأيي من عيوب بعض الروايات العربية أنها تتناول كل ما يخص المجتمع دفعةً واحدة، في رواية واحدة، تريد أن تقول فيها كل شيء، وهذا خطأ.
قرأت وصية جميلة جداً لعبد الحليم حافظ في كيفية صنع الأغنية، يمكن أن نطبِّقها أيضاً على الأدب يقول فيها:
«لا أحبُّ أن يضعَ المُبدع كلّ جهده في إبداعه بعنف، طاقة العنف هذه تفقد المبدع أشياءً، ولكن عندما يبدع وهو مرتاح يجد الوقت ليتأمل ما أبدعه ويراجعه براحة بال».
الأكيد سيقول لي بعضهم هذه رواية ومن حقِّ الكاتب تصور ما يريد، طبعاً من حقه تصور ما يريد، ومن حق القارئ أن يقرأ عملًا يشعر فيه أنَّ الكاتب قدَّم روايةً لا أحكاماً جاهزة كما أسلفت.
من الصحي أن يتجنب الأدب الأحكام المسبقة والثنائيات: ثُنائية الخير والشر، ثُنائية الصح والخطأ. تبقى هذه مجرد قراءة تأويلية للعمل.