يواصل الأدب المغاربي إمتاع القارئ العربي بأعمالٍ متميّزة من خلالِ تقديم أسماءٍ كثيرة استطاعتْ أن تُثبتَ أنَّ الساحةَ الأدبية الجزائرية والمغاربية ولَّادة، وأنَّ الرواية المغاربية تُبشِّر بجيلٍ منَ الأُدباء استطاعوا أن يُنافسوا أهم الأسماء العَربية في الجوائز الأدبيّة، ونذكرُ من هذه الأسماء الكاتب الجزائري عبد اللطيف ولد عبد الله الذي وصلَ إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» العالمية في طبعتها العربية لهذه السنة بعمله «عين حمورابي» الصادر عن «دار ميم» الجزائرية و«مسكيلياني» التونسية.

بالعودة إلى عبد اللطيف ولد عبد الله وروايته «عين حمورابي»، فما أن تشرع في قراءتها حتى تدخل عوالم أشبَه بعوالم «ألف ليلة» و«حكايات شهرزاد». روايةٌ مكتوبة بحسِّ الفنان وبقلم المهندس الذي أجادَ بحِرَفية رسم حدود من الخيال تذهبُ برمزياتها إلى الإنسان القديم لتعود به إلى الواقع، وتحديداً إلى العشرية السوداء فيتعثَّر بالموت، والجريمة والحِكاية التي يقعُ في سحرها من الصفحة الاولى.
ربما قوَّة «عين حمورابي» الإبداعية ليست في القصة أو حكاية الرواية فحسب، وإنما تتجاوزها إلى الطريقة التي كُتبت بها، تلك الطريقة التي جاءت مختلفة عن السائدِ والمُتعارف عليه. فالرواية تتناول فكرة القتل والموت من منظور روائي مختلف وكيف يمكن أن يُشكِّل الموت سردية قائمة بحدِّ ذاتها.
«تقبُّل الموت خطوة شُجاعة يخطوها الإنسان للتصالح مع نفسه ومع العالم». كما أنه يحاولُ إظهار ماهية الموت وكيف يرى الأحياء الأموات: «أستأنسُ بوجودي بين الموتى. فهم هادئون وينصتون لكلِّ ما أقُوله. معهم لا أضطرُّ إلى الكذب، فالموتى لا يفشون السر».
ذهبتْ «عين حمورابي» إلى الخوضِ في الوجود وماهيته، من خلال طرح الأسئلة أو الآراء الميتافيزيقية كما عبّر عنها عبد اللطيف على لسانِ أحد أبطال روايته: «إن الآراء الميتافيزيقية مُهمة في حياة البشر و يجب ألَّا تُختزل عقائد معينة». يقول أيضاً: «أحياناً أشعرُ بالغضب تجاه الأشخاص الذين يقولون إن الطريقَ المؤدية إلى الحقيقة محفوفة بالتساؤلات، وما علينا إلا البحث عن الأسئلةِ المناسبة», ومن هُنا يحاول أن يقول إن الأدبَ ليس مادةً للقراءة والرفاهية فقط، بل هو كل ما يشكِّل نظرتنا الواعية لماهية الوجود التي من خلالها نتمكَّن من أن نصنع لنا في هذا الوجود أفكارنا الخاصة وآراءنا.
القصَّة تذهبُ بنا إلى وليد حمراس، فمن يكون؟و لماذا «عين حمورابي»؟وما وراء هذه التسمية؟
بين هدم قبر ولي صالح واتهامٍ بخيانة الوطن والتواطؤ في تهريب الآثار وجرائم قتلٍ كثيرة، نجد أنفسنا أمام بطلٍ واحدٍ ووحيد اسمه وحيد حمراس. كان الكاتب ذكياً في استدراج القارئ وفي نسج خيوط حكايته التي تنبق من خلالها حكايات كثيرة ليجعلنا في الأخير متورطين في نص لا ينحاز لا للحقيقة ولا للخيال، بقدر ما ينحاز للرواية كعمل متكامل يسرد الوقائع التي يتشابك فيها الواقع والوهم، وهو القائل بالرواية على لسان أحد شخوصها: «الخيال وليد الحقيقة. والحقيقة تدهشنا دوماً بومضاتها، ثم تختفي لتحل محلها آثار دهشتنا من فن وعمل، وفكر.
الحقيقة ظل شيء لا ندركه أبداً، أما الخيال فهو خدعة، نلجأ إليها لنقنع أنفسنا مؤقتاً بأننا ندرك ذواتنا في هذا العالم المليء بالغموض والتناقضات».
حَبكة روائية مُتقنة الإحكام لا تمنحكُ فرصة القراءة على عجل، بل تضعك دائماً أمام إشاراتٍ كثيرة تتوقف عندها بُغية الوصول إلى الفهم الصحيح لأحداثها. يتَّضح لك من خلال السطور أن الرواي يشعرُ بالإنفصام، أو يعيش حالة من الفُقدان الجزئي للذاكرة، أم أنّه تصنع للفقدان للهروب بشكلٍ آخرٍ من حقائق يُحاول أن يُخفيها هذا البطل الغريب المدعو وحيد حمراس.
بين هذا وذاك، الأكيد أنكَ عندما تنهي قراءة الرواية، تخرج بالكثير من الأفكار التي حاول أن يتطرَّق إليها عبد اللطيف ولد عبد الله.
من بينها نفسية الجزائري المأزومة التي تأثرت بفعلِ مخلَّفات العشرية السوداء، وحال المرأة الجزائرية والعربية وحقوقها المهضومة في مجتمع ذكوري يحاولُ سلبها إيَّاها.
أيضًا تناولَ العمل الوضع العربي العام بشكل غير مباشر، من خلال تصرفات البطل والإرهاصات التي كان يُعاني منها، هذه الإرهاصات التي جاءت نتيجة لمجتمعٍ ما زال يعيش ويقتاتُ على الخُرافة وألغى العلم، رغم التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم. مجتمع لا يولي أهمية لتنشئة الفرد على قدرٍ كبير من العلم الذي يستطيع أن يُمارس فيه العقل قدراً كبيراً من الحرية المحفزة على الإبداع.
كان للمرأة وللحب حضورهما في «عين حمورابي»:
«العشق ثمرةُ الشباب يا وحيد ولا أظنك تجهل هذا ولكن إن استطعتَ أن تُحافظ على ذلك الشُعور فستظلُّ شاباً مهما تقدَّمت بكَ السن».
هذه الرواية كمَا جاءَ على لسان بطلها: «أكثرُ الناس تجربة هم المُذنبون والفاشلون الذين تُغلق أمامهم كل أبواب الخير».
إذن، يحاول عبد اللطيف أن يقولَ إنّ الفشلَ والذنب ليسا إشارة إلى نهاية الحياة، بل هو طريقٌ جديد تؤدي إلى معرفة الإنسان لنفسه، ومن خلالِ الغوض في ذَاته، يُمكنه اكتشاف الوجود من حوله بشكلٍ أفضل.