بعد رحلة تيه طويلة بدأت منذ أواسط الستينات عندما غادر قريته في أرياف القيروان في الوسط الغربي التونسي المسماة «الذهيبات»، عاد الروائي حسونة المصباحي إلى القرية الصغيرة في سفوح الجبال والمزروعة في حقول الزياتين، مستحضراً طفولته القاسية التي كتبها في معظم أعماله الروائية والقصصية، وخاصة أعماله الأولى التي صنعت شهرته ككاتب خارج السرب مثل «حكايات جنون بنت عمي هنية» الصادرة منتصف ثمانينات القرن الماضي و«السلحفاة» التي صدرت مطلع تسعينات القرن الماضي و«هلوسات ترشيش» ووجه والدته «زهرة» بعدما غيّب الموت مبكراً والده. وقد ظلّ هذا اليتم حاضراً في معظم أعماله القصصية والروائية.

بعد رحلة التيه هذه التي قادته بين القيروان محطته الأولى ثم العاصمة تونس التي عرف فيها ألواناً من المعاناة والتشرد بعد فصله من الوظيفة بسبب خلاف مع مفتش الأدب الفرنسي (روى حسونة بأسلوبه البديع رحلة سنوات العاصمة المرة في «هلوسات ترشيش» و«الآخرون» و«ليلة الغرباء» و«يوميات مونيخ» و«وداعاً روزلي»...) وعاصمة بافاريا مدينة مونيخ الألمانية التي قضى فيها أكثر من عشرين عاماً... وبعد خمسة عشرة من الإقامة في مدينة الحمامات بعد أقامة قصيرة في مدينة بنزرت شمال العاصمة تونس، قرر المصباحي العودة إلى القرية التي شهدت مولده وتهجّى فيها أول الحروف والكلمات.
كان حسونة في رحلة التيه الطويلة (عنوان أحد كتبه «رحلة التيه») مشدوداً إلى الكتابة التي لم يعرف مهنة غيرها، متنقلاً بين أشهر الصحف العربية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي لكنّه قرر أن ينهي رحلته في القرية الأم تحت ظلال الزياتين التي زرع بعضها بيديه مع والدته الراحلة زهرة المحفوظية التي حولها في أدبه إلى رمز، وقد سمّى البيت الذي أنفق فيه شقاء عمره بـ «الزهرة البرية» وفاءً لوالدته.
البيت الذي أقامه المصباحي في ريف مدينة القيروان، أولى عواصم الاسلام في المغرب العربي، خصصّ فيه جناحاً ثقافيّاً يضم مكتبة فيها آلاف العناوين وقاعة للمؤتمرات وإقامة للضيوف ويتردد منذ افتتاح هذا الجناح قبل أسابيع عديد الشبان من القرية الصغيرة من تلاميذ وطلبة للمطالعة والافادة من المكتبة التي فتحها المصباحي مجاناً للتلاميذ والطلبة، بخاصة أنّ القرية لا توجد فيها أي مرافق ثقافية.
حسونة المصباحي أقام هذا الجناح بدون أي مساعدة لا من الدولة ولا من الخواص. يعتبر أن ما يقوم به تجاه شبان القرية هو في صميم دوره كمثقف في نشر ثقافة التنوير في الوقت الذي تعاني فيه تونس من سطوة الاسلام السياسي الجاثم على البلاد منذ عشر سنوات إلى الحد الذي أصبحت فيه مصنفة كقاعدة خلفية للارهاب مثلما يتداول في الكثير من وسائل الإعلام.
في السبعين؛ عاد حسونة المصباحي الذي كان رمزاً لـ «الفتية الشرسين»، ـــ مصطلح أطلقه في إحدى مقالاته على جيله ـــ إلى القرية الصغيرة ليعيش حياته بهدوء بعدما أمضى حوالي ربع قرن متسكعاً بين أكبر مدن العالم من باريس إلى أمستردام إلى روما إلى برلين إلى فيينا ولندن ونيويورك وغيرها من العواصم العربية، وخاصة المدن المغربية مثل طنجة والرباط والدار البيضاء وأصيلة التي لم يغب عنها خلال الصيف منذ ثلاثين عاماً تقريباً.
في عزلته الريفية، يعيش حسونة بهدوء بين أشجار الزيتون وأصوات الصمت في ليل الحقول الممتدة بين الشمال والوسط الغربي، مستحضراً تلك السنوات الصعبة التي قطعها عشرات الكيلومترات راجلاً ليصل إلى المدرسة في سن الطفولة حالماً بمغادرة عالم القرية المقترن آنذاك بالفقر والحرمان. وبعدما طاف في جزء كبير من العالم، عاد حسونة للبحث في ذاكرته عن بقايا تلك الأيام ليعيشها من جديد بطعم آخر، فالطفولة هي ما يبقى فينا حين يموت كل شيء.