هناك ما يهدّد، مسبقاً، الكتابة عن سيزار نمّور (1937 ــ 2021) الذي كرّس حياته بمجملها للكتابة عن الفن والفنانين في المحترف التشكيلي اللبناني وحفظ تجاربهم. إذ أن أي محاولة لاستعادة سيرته، ستبدو ناقصة، إذا ما قورنت بتفانيه في توثيق وأرشفة مسارات الفن اللبناني على مدى عقود. رحل المؤرّخ الفني والناشر اللبناني أخيراً كما أعلنت صفحة متحف «مقام» على فيسبوك، وصفحة شريكته في الحياة والعمل الباحثة الألمانية غابرييلا شاوب التي رافقته في أبرز مبادراته. وبذلك يكون المحترف التشكيلي اللبناني، قد خسر أحد أهمّ حَفَظة ذاكرته والأمناء عليها. فقد ظلّ الرجل طوال حياته يختبئ خلف وجوه فنانين ونحاتين عمل على إحياء وحفظ تجاربهم بالكتابة والنقد، بالإضافة إلى جمع أعمالهم في متحف «مقام» (متحف الفن الحديث والمعاصر في لبنان). جاء المتحف كخزّان لكلّ اهتماماته، وترجمة حرفية لهوسه بالتوثيق والأرشفة. إذ قام بتحويل مصنعين في قرية عاليتا (قضاء جبيل) سنة 2013، إلى متحف ضمّ تجارب متنوّعة من فن النحت اللبناني الحديث والمعاصر، من خلال 300 عمل فني تتوزّع بين منحوتات وأعمال تجهيزية معاصرة، وتؤرّخ لمسار فن النحت وتطوّره في لبنان، في وقت تقبع فيه لوحات ومنحوتات الفنانين اللبنانيين في أقبية وزارة الثقافة بسبب غياب متحف رسمي للفن الحديث.

رافق نمّور الحركة التشكيلية اللبنانية منذ منتصف القرن الماضي. بابه إلى الفن كان الشغف وحده، بعد دراسته لإدارة الأعمال في الجامعة. كلّ ما تعلّمه عن الفنون جاء من جهد فردي منذ الخمسينيات. في بداية السبعينيات، افتتح مع المصمّم الغرافيكي والمصوّر العراقي وضّاح فارس غاليري Contact في الحمرا التي استقبلت معارض حتى 1978، أي في الفترة التي كانت تشهد فيها العاصمة اللبنانية التجارب التجديدية لهلن الخال وعارف الريس وشفيق عبود ولور غريب ورفيق شرف وآخرين. شغفه بالفن، قاده أيضاً إلى كتابة المقالات النقدية في ملحق «النهار» الثقافي بعدما كان قد بدأ بتسجيل ملاحظاته عن المعارض والفنانين، وبجمع ملفات عنهم تضم ملصقات معارضهم، ومقالات منشورة ووثائق أخرى. هكذا كتب مقالات نقدية خلال الثمانينيات، غطّت عدداً كبيراً من المعارض التشكيلية في بيروت. بعض هذه المقالات ظهر مجدّداً في كتاب «تاريخ النحت في لبنان» (1990) الذي وثّق فيه نمّور لحوالى قرن كامل من ذاكرة النحت اللبناني وتجاربه المتنوّعة. صدر الكتاب عن «دار الفنون الجميلة» التي أسّسها نمّور سنة 1990، وخصّصها للكتب الفنية حصراً، حول المحترف المحلّي. وقد نشرت الدار مجموعة من أهم الكتب الفنية، كتب نمور عدداً منها بالعربية والإنكليزية، منها مؤلّفه الشامل حول تاريخ اللوحة في لبنان بعنوان «أمام اللوحة» (2003)، إلى جانب كتب نقدية عن تجارب ألفرد وجوزف بصبوص، وسامية عسيران جنبلاط، وخليل مفرّج وآخرين.
لا يمكن فصل تجربة دار النشر، وذلك الميل الجامح نحو التوثيق والأرشفة عن سنوات الحرب الأهلية اللبنانية التي بعثرت هذه التجارب، وأسهمت في حجبها عن الجيل الجديد. هذا ما كان يكرّره نمور دائماً بكلمات مختلفة. ولعلّه هو ما كان يدفعه إلى خوض مشاريعه التوثيقية الضخمة التي تتطلّب جهود مؤسسات كبيرة ورسمية. لم يتوقّف نمّور يوماً مثل بعض نقاد وفناني جيله الذين باتوا، بتواريهم، ينتمون حكماً إلى مصطلح الجيل السابق. يعود ذلك ربّما إلى تنبّهه للفجوة المعرفية التي تفصل بين أجيال من اللبنانيين، تحديداً في ما يتعلّق بمعرفة تاريخ الفن المحلّي كما أخبرنا مرّة. هكذا دعا إلى متحفه فنانين جدداً وأعمالهم التجهيزية التي تجاورت مع أعمال روّاد محترف النحت أمثال يوسف الحويك والإخوة بصبوص وسلوى روضة شقير... إلى جانب المجموعة الثابتة، احتضن المتحف معارض استعادية ومسابقات للفنانين والطلاب. وقد حرص نمور على تفعيل المجموعة، من خلال تنظيم رحلات لطلاب المدارس، وتعليمهم تاريخ الفن اللبناني الذي يغيب تماماً عن المناهج الدراسية. علماً أن المتحف بات يضمّ أيضاً كتب ومؤلّفات مكتبة «ريكتو فيرسو» (Recto Verso) التي افتتحها سنة 2009 في مونو مع شريكته غابرييلا شاوب. أقفلت المكتبة أبوابها أخيراً، إلا أن محتوياتها التي تعدّ ثروة أرشيفية لا تزال متاحة أمام الباحثين والكتّاب والطلاب. وتضمّ المجموعة حوالى 1500 كتاب تغطّي أبرز حقبات الفن التشكيلي اللبناني، إلى جانب كتب حول مجالات فنية مختلفة مثل التصوير الفوتوغرافي، والعمارة، والخط العربي، والنحت، بالإضافة إلى الوثائق عن المعارض اللبنانية، من ملصقات ومعلومات وملفات جمعها وحفظها نمّور. كان نمّور سبّاقاً في كلّ هذه الأعمال والمشاريع الصغيرة والكبيرة التي دشّنها، أبرزها مشاركته في تأسيس المعارض والجمعيات الفنية مثل «جمعية الفن المعاصر» (1997)، و«الجمعية اللبنانية لنقاد الفن» (1998). كما أطلق معرض الكتاب الفني الأوّل في بيروت سنة 2009، قبل أن يتحوّل إلى سوق شهري للكتب في شارع مونو كمساحة للقاء تُضاف إلى مبادراته السابقة التي تصدّر فيها الهمّ الجماعي والتشاركي، في التوثيق والعرض والكتابة، كل الهموم الأخرى.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا