يستكشف وثائقي «أوكوباسيون س. أ.» الدور المحوري الذي لعبته النخبة اليمينية البرجوازية الإسبانية في إدامة الاحتلال المغربي غير القانوني لمعظم أراضي الصحراء الغربية. تم ذلك عبر تحالف وثيق مع السلالة المغربية الحاكمة، على سرقة موارد الصحراويين ومدّ السلطة المحتلة بأدوات الاستمرار وقمع شعب المستعمرة الإسبانية السابقة. البلاد التي تقارب مساحتها بريطانيا والغنيّة بالموارد الطبيعيّة، تُعدّ آخر مخلّفات الاستعمار في أفريقيا بعدما نُقلت إدارتها بصفة تآمريّة إلى العاهل المغربي في ما يُعرف تاريخيّاً بآخر جرائم الجنرال الفاشستي فرانكو، وأُولى جرائم الملك الفاشستي خوان كارلوس


يمتد إقليم الصحراء الغربية على الساحل الغربي للقارة الأفريقيّة قبالة المحيط الأطلسي، ويتقاسم حدوده مع المغرب (شمالاً) وهي مملكة قروسطيّة يحكمها نظام تدعمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي و«إسرائيل»، والجزائر (شرقاً)، وموريتانيا (شرقاً وجنوباً). يسكن الصحراء التي تمتد بحجم المملكة المتحدة، نصف مليون نسمة في خضم منطقة تزعزع استقرارها خلال الأعوام الـ 150 الماضية نتيجة التدخلات الإمبريالية المستمرة. يسيطر المغرب الآن على معظم الأراضي الصحراويّة، ويفصل ـ بواحد من أطول جدران العزل في العالم ـ المنطقة المحتلّة عن المناطق المحررة التي تمتد كشريط ضيّق من الأراضي على طول الحدود مع الجزائر وموريتانيا، حيث أعلنت «جبهة تحرير الصحراء» (البوليساريو) - بورجوازية قومية – قيام الجمهوريّة العربيّة الصحراوية الديمقراطيّة. وتحظى الأخيرة باعتراف محدود من بعض الدول الأفريقية.
خضعت المنطقة طوال عشرات السنين للاستعمار الإسباني وأُعلنت في وقت ما محافظة إسبانيّة، قبل أن تضطر مدريد للانسحاب منها مع نهاية الحكم الديكتاتوري الفاشستيّ للجنرال فرانسيسكو فرانكو في إسبانيا عام 1975. لكن الانسحاب لم يحدث بصفة رسمية قط، بل وفق تفاهم بين خوان كارلوس، العاهل الإسباني الفاشستي الذي تولى عرش الملكيّة العائدة إلى السلطة، مع الملك الحسن الثاني، عاهل المغرب حينها ووالد الملك الحالي محمّد السادس. تفاهم رعته الولايات المتحدة الأميركيّة، وتم بموجبه استبدال القوات الإسبانيّة بأخرى مغربيّة مع الحفاظ الكليّ على المصالح الاقتصادية للاستعمار. وهذا ما حدث بالفعل خلال الأشهر التاليّة في ما وُصف بآخر جرائم الجنرال فرانكو، وأُولى جرائم الملك خوان كارلوس.
استمر الصحراويّون في نضالهم للاستقلال ضد الاستعمار الإسباني وواجهوا بشجاعة قوات الاحتلال المغربي بالسلاح وبالنضال الشعبي السلمي. لكن العالم الغربي تخلى عنهم – رغم اعتراف الأمم المتحدة بـ «البوليساريو» ممثلاً شرعيّاً للشعب الصحراوي – وتغاضى عن ضمّ المغرب للأراضي التي تمكّن من وضع اليد عليها.
حكاية بلاد الصحراء الحزينة، لا يمكن إطلاقاً فهمها من السياق السياسي/ العسكري المحض وحده، إذ أن هذا الاحتلال الغاشم للأراضي والعدوان المستمرّ على سكانها الأصليين، لا يمكن استدامتهما دون مدّهما بأسباب البقاء (طاقة وتسليحاً وحماية من الملاحقة). وبغضّ النّظر عن الطموحات التوسعيّة للسلالة الملكيّة المغربيّة، فإنّ هذا الاحتلال بمثابة ضرورة موضوعيّة لتوفير الحماية المادية لعمليات نهب منظّم تتولاها مصالح بورجوازية متقاطعة بين إسبانيا وعدد من الدول الأوروبية مثل ألمانيا والنمسا كما المغرب لموارد المنطقة الغنية بالفوسفات والمعادن والصيد البحري (من أغنى الشواطئ العالميّة بثمار البحر) والرمال الذهبيّة (التي تُسرق ليلَ نهارَ لفرش الواجهات البحريّة القاحلة في جزر الرأس الأخضر إرضاء لمخيّلة السيّاح البورجوازيين الإسبان الباحثين عن شواطئ ذهبيّة وفق التّصور التقليدي في ذهن الطبقة).
تداخل عضوي بين الأنظمة اليمينيّة الفاسدة (غربيّة وعربيّة) ــ رغم تعاقب الحكومات بتوجهاتها المختلفة بما فيها اليسار المزيّف، إذ يحكم إسبانيا اليوم تحالف من حزب يُسمّي نفسه بالاشتراكي، وحزب بوديموس اليساري الملتبس ــ والمصالح البورجوازية العابرة للحدود مع الاحتلال العسكري على الأرض، محاط بغلاف سميك من السريّة والتعمية والرقابة المسبقة على النشر وانحطاط الصحافة، إضافة إلى التبييض المستمرّ للتحالف الإجرامي الخارج عن القانون (الإسباني والأوروبي والدّولي) من قبل وكالات متخصّصة في الإعلانات وإدارة العلاقات العامّة، ما يجعل من محاولة رسم صورة شاملة عما يجري في الصحراء الغربيّة مسألة دونها صعوبات جمّة.
من تلك النقطة تأتي الأهميّة الاستثنائيّة لوثائقي «أوكوباسيون س. أ» (أي احتلال ولاحقة س. أ. تعني شيئاً بالإسبانيّة مثل شركة مساهمة) الذي أخرجه لورا دودين وسيباستيان رويز كابريرا وأنتجته منظمة «موندوبات» غير الحكومية في إقليم الباسك، المطالب بالاستقلال عن إسبانيا، بالتعاون مع «مؤسسة فورورد للأفلام» التي تتخذ من البرازيل مقراً لها. يقدّم الشريط أشمل وأدقّ صورة متوافرة للعموم إلى الآن عن الدور الآثم للبورجوازية الإسبانية المدعومة من السلطات الملكية في نهب الصحراء الغربيّة والتمكين لديمومة الاحتلال المغربي لأغلب أراضيها.

يكشف الشريط دور شركات إسبانيّة وأوروبيّة في ضمان ديمومة الاحتلال المغربي


عُرض «أوكوباسيون س.أ.» (42 دقيقة) للمرة الأولى في نهاية العام الماضي (2020) بعد وقت قصير من نشر السلطات المغربية قوات لتفريق تظاهرة شعبيّة صحراوية سلمية مؤيدة للاستقلال عند معبر كيركيرات الحدودي بالقوّة. وهو ما تسبّب حينها في كسر وقف إطلاق للنار توسطت فيه الأمم المتحدة وكان قد استمر لحوالى 30 عاماً بين النظام المغربي وجبهة «البوليساريو»، لتعلن عندها الجبهة استئناف «حالة الحرب». يبدأ الوثائقي بلقطات للاحتجاج، حيث الهراوات تهوي على أجساد المتظاهرين المحاصرين، وتصف سلطانة جايا، المناضلة الصحراويّة، كيف فقدت عينها وكادت أن تفقد الأخرى نتيجة استهدافها بالضرب من قبل جنود الاحتلال. ترينا صورة جسدها المصاب بكدمات تعكس وحشية ذلك الاعتداء. ينقل الفيلم كذلك حكايات مواطنين صحراويين آخرين تعرضوا للاعتداء والإخفاء القسري لسنوات طوال في غياهب سجون ملك المغرب، وإجبارهم على اللجوء إلى المنافي بعيداً عن أهاليهم لتجنب الاضطهاد الدائم.
تتولى سولما علي، وهي فنانة موسيقيّة جميلة من الصحراء دور الرّاوي في الفيلم. بمساعدة رسومات توضيحيّة، تفصّل تدخل إسبانيا المستمر في الصحراء الغربية منذ الاستيلاء عليها في عام 1884 كجزء من التدافع الإمبريالي الغربي لانتهاك أفريقيا. وتوضح سولما أنه في عام 1975، وضمن محادثات سرية مع الولايات المتحدة والمغرب، وافق نظام فرانكو الفاشستي الذي كان ينهار تحت وطأة معارضة الطبقة العاملة الإسبانيّة، على إنهاء السيطرة العلنيّة على الصحراء لمصلحة المغرب، في الوقت الذي شنّت جبهة «البوليساريو» (المدعومة من الجزائر) حرب عصابات من أجل استقلال الجمهورية الصحراوية الديمقراطية العربية. وأعقب ذلك قتال استمر 16 عاماً حتى عام 1991 وإعلان وقف إطلاق النار من قبل الأمم المتحدة، مع الوعد بإجراء استفتاء بين السكان لتقرير المصير. لم يحدث ذلك قط بسبب مماطلة المغرب المستمرة، فيما تم فصل أراضي الصحراء الغربية المحتلة (80 في المئة من مساحة الصحراء) عن المناطق المحرّرة بجدار ملغم طوله 2700 كيلومتر. تحتل القوات المغربيّة مدينة العيون (عاصمة الإقليم حيث يقيم 40 في المئة من سكان الصحراء الغربية)، فيما يعيش حوالى ربع مليون صحراوي على مدى السنوات الأربعين الماضية في أوضاع بائسة ضمن أربعة مخيمات للاجئين قرب مثلث الحدود بين الصحراء والمغرب والجزائر.
يكشف الشريط الأدوار المحددة التي تقوم بها شركات إسبانيّة وأوروبيّة مدعومة مباشرة من الحكومات الغربيّة، في تبييض الاحتلال المغربي وضمان ديمومته، وتعزيز هيمنة الطبقة الحاكمة في المغرب الذي يُعدّ الشريك الاقتصادي الأوّل لإسبانيا في القارة الأفريقيّة (45 في المئة من السلع والخدمات التي تبيعها الشركات الإسبانية في أفريقيا) وأهم الشركاء على الإطلاق خارج المجموعة الأوروبيّة. فشركتا النفط العملاقتان «كابيسا» و«ريبسول» مثلاً تزودان سراً سلطات الاحتلال بمنتجات الوقود المكرر، وباعت شركة الشحن الإسبانية «رودمان» سفناً عسكرية إلى الرّباط لسنوات تم التصريح عنها دائماً بأنها لأغراض مدنيّة بهدف تجنب ضوابط تصدير الأسلحة. وباعت «أوروفيسا» أكثر من 1200 عربة مدرعة إلى المغرب انتهى أغلبها في الصحراء الغربية في أيدي قوة الاحتلال، في حين توفر شركة «إندرا سيستيماس» المنتجة للأجهزة العسكرية قمراً صناعياً لأغراض المراقبة، وتتولى شركات تصدير عدة معدات عسكريّة تُستخدم لقمع الاحتجاجات، رغم منع بيع تلك المواد في إسبانيا أو أيّ من دول الاتحاد الأوروبي. وقامت شركة «سيمنز جامسا» الإسبانية الألمانية المشتركة ببناء توربينات هوائية بشكل غير قانوني في الصحراء الغربية توفّر الطاقة (النظيفة) لاستخراج موارد الفوسفات الهائلة في البلاد، وهو عنصر أساسي في إنتاج الأسمدة الاصطناعية. كما تستغل الشركات الإسبانية وغيرها من الشركات الغربية ثروة الأسماك في المياه قبالة الصحراء الغربية، حيث تستوفي معظم الأرباح السنوية (1.9 مليار دولار أميركي). في عام 2019، أعلن الاتحاد الأوروبي البحر حول الصحراء الغربية جزءاً من المغرب في اتفاقه الأخير لصيد الأسماك، ما يتعارض مع حكم لمحكمة العدل الأوروبية يحظّر ذلك.
رغم تميّزه في كشف دور الرجعية الإسبانية في دعم الاحتلال المغربي للصحراء، يتجنّب الشريط بشكل متعمّد الإشارة إلى الدّور السلبي لـ «البوليساريو» منذ موافقتها (1991) على إلقاء السلاح والتخلي عن الشعارات الاشتراكيّة والاكتفاء باستخدام القنوات الدبلوماسية لمناشدة الأنظمة الإمبرياليّة في الغرب بإنهاء حالة الاحتلال، ناهيك باعتماد الجبهة أساليب بوليسيّة للتحكم بحياة اللاجئين في مخيمات الصحراء، وإفادة قياداتها من المساعدات الدولية ودعم الجزائر. يتضمن الشريط مقابلة مطوّلة مع ميغيل أوربان، عضو البرلمان الأوروبي عن «بوديموس» اليساري وشريك السلطة في إسبانيا، الذي يشرع بدوره في الترويج للأوهام الأوروبية داعياً إسبانيا إلى «تولي» ولايتها مباشرة على الصحراء الغربية بدل التخفي وراء السلالة المغربيّة.
مع ذلك، وببعض التحفّظ فإن الفيلم مشاهدة ضروريّة لتفكيك وفهم جزء خفيّ بعناية من بنية الصراع حول الصحراء الغربيّة، سيّما بعد التطوّرات الأخيرة هناك إثر عودة الاشتباكات العسكريّة واعتراف إدارة دونالد ترامب، الرئيس الأميركي السابق، بما أسماه «السيادة» المغربيّة على الإقليم، ومسارعة السلطات الإسرائيليّة إلى عرض تقنيات درون متقدمة لدعم سيطرة سلطات الاحتلال على المنطقة، كما افتتاح الإمارات قنصليّةً لها في مدينة العُيون المحتلّة.
من أبلغ لقطات الفيلم مشاهد لنساء صحراويّات ثائرات يجهّزن أعلاماً صحراوية لحملها في التظاهرات. العلم فلسطينيّ، تضاف إلى بياضه نجمة وهلال بقلم أحمر. إنها بالفعل مأساة تكاد تكون فلسطين أخرى، غربيّة هذه المرّة على شاطئ الأطلسي.

يتوافر الشريط للمشاهدة مجاناً على: https://vimeo.com/490703822

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا