دائماً ما تدفعنا ديناميكيات قصص أفلام الناقد والمخرج اللبناني محمد سويد، («بحبك يا وحش»، «سينما فؤاد»، «تانغو الأمل»، «نصيب»، «عندما يأتي المساء»، «حرب أهلية»)، إلى البحث عن معلومات، وحلّ ألغاز قضية أو أحداث تاريخية. مع سويد، عودة إلى زمن بلغة سينمائية خاصة وغامضة نوعاً ما. هو المخرج الذي يعرف تماماً ماذا يريد من السينما. يعرف جيداً هذا الوسيط وكيفية تطويعه ليلائم طريقة تفكيره. بهذه الطريقة فقط يشكل أفلامه بالطريقة نفسها التي تخيّل فيها القصة رغم واقعيتها. بلغته السينمائية، يخلق سويد مساحة من التفسير والنمو للقصة بعيداً عن حدود شاشتها. هجينة هي أفلامه، خليط نادراً ما نراه في السينما العربية. لعل أبسط توصيف لها هو «خيال واقعي». أفلامه خيالية وحقيقية. ليست حقيقة ولا خيالاً، يبرع في الخيال الوثائقي (الدوكيوفيكشن: مزيج سينمائي بين الوثائقي والخيال). يمثل الواقع بتعبير فني، يعيدنا إلى أساسيات الاثنوفيكشن (حقل فرعي في سرد قصص اثنوغرافية). بالإضافة إلى كل ما سبق، يحقن سويد أفلامه بروح «الوثائقيات الساخرة» (موكومنتري). شخصياته الخيالية في قصصه الواقعية، غالباً ما تخون نفسها عن قصد أو غير قصد. يستعمل سويد كل هذا لسبب واضح، هو البحث عن الهويات بعد الحرب الأهلية في خضم واقع مليء بمشاكل المنطقة وتناقضاتها. لا يمكن إغفال تأثره بالمخرج الفرنسي جان روش مؤسس الأنثروبولوجيا البصرية، وبالمخرج الأميركي فيدريك وازمان وطبعاً بجيل دولوز وفلسفته السينمائية. ومع هذا، محمد سويد يعيد دوماً تكرار الأفكار نفسها، لغته السينمائية طويلة، هناك مجال كبير للاختصار في أفلامه، لكنّه يحاول دائماً تلقيمنا أفكاره. يؤكد على مسامعنا طوال الفيلم أن ما نشاهده لن ينتهي إلا إذا حفظنا الدرس جيداً. يخلق في أفلامه وجهات نظر مختلفة، ويعرف كيف يعرض ما تراه شخصياته وما تراه الكاميرا. يفهم جيداً فلسفة السينما، وفلسفة الكاميرا التي يعطيها وجوداً ذاتياً، ويعرف دائماً كيف يضع «الحقيقة» في أزمة كبيرة.
صدى الثورة الفيتنامية تردّد في بيروت الستينيات والسبعينيات وأصبحت العاصمة «هانوي العرب»


لغته السينمائية نجدها في فيلمه الوثائقي الطويل الثالث «ما هتفت لغيرها!» (2008) الذي تعرضه «دار النمر» في 17 من الشهر الحالي بالشراكة مع «نادي لكل الناس». في شريطه، يعطي سويد المشاهد أدلة صغيرة على حيلة الفيلم وشخصياته الخيالية والواقعية. يطعّم شخصياته بمزيج هجين من هواجس وأفكار وتناقضات تقلق راحتها. ينتقل الفيلم بين ثلاث مدن: بيروت وهانوي ودبي. مدن رمزية في الخريطة السياسية والثورية والاقتصادية. من خلال خربشات ودفتر ملاحظات، يعيد حسن بناء ماضي والده الثوري. قصة جيلين متناقضين: الثورة وهوليوود، الشهرة وفيتنام، أساطير بيروت الثورية وأمان دبي. يخلط سويد كعادته عناصر السيرة الذاتية والوثائقي والخيال، ليخلق عالماً خيالياً داخل عالم واقعي تلاشى عن رجال كانوا أبطالاً ملحميين اختفوا وفقدوا أو غيّبهم النسيان. يعيد سويد خلقهم، كآباء ونرى تأثيرهم وثقل إرثهم على أبنائهم الذين هم بدورهم يحلمون بالتغيير.
صدى الثورة الفيتنامية تردّد في بيروت الستينيات والسبعينيات وأصبحت العاصمة «هانوي العرب» منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 لغاية انسحاب المقاتلين الفلسطينيين عام 1982. أبو حسن هانوي هو الاسم الحركي لحاتم حاتم الفتحاوي، الذي ولد في جنوب لبنان وينتمي إلى حركة «فتح» وقاتل في صفوفها. بعد الاجتياح الإسرائيلي، فقد علاقته بـ «فتح» وعاد إلى قريته ونأى بنفسه عن النشاط السياسي. طوال الفيلم، يستعرض حسن نجل حاتم ذكرى «اللحظة الفيتنامية» لـ «فتح» في لبنان. يسافر بين بيروت ودبي وهانوي، ويفكر في علاقات هذه المدن الثلاث المختلفة للغاية والمتقاطعة في آن على مستوى الثورة والاقتصاد والحرب والتنمية الحضرية والاجتماعية. رغم أنّ اسم الفيلم مأخوذ من أنشودة لحركة «فتح»، وأن محمد سويد كان في «لواء الشبيبة» التابع للحركة؛ إلا أن الفيلم هو نقد ـ من باب المُحبّ ـ لـ «فتح» ولعرفات ولماض ثوري ألقى بثقله على أجيال ليست بيدها حيلة. ماض ألقى ثقل السلاح من دون السلاح نفسه، ثقل القضية من دون القضية، وثقل الذكريات من دون أدوات لإعادة إحيائها. يخلط سويد فيلمه بأفكار اليسار، والتحرر الوطني، والعلمانية، والطائفية والأفكار الفلسفية، حاشداً الكثير من الموادّ والمعلومات. يعيد خلق نفسه بشخصية حسن، يبحث فيها عن نفسه، ينبش في ذاكرته عميقاً، ويخلق شخصيات منفتحة على احتمالات كثيرة. لكن كل هذا منضبط تحت فكرة الفيلم الكبيرة وإن كانت تبدو أحياناً مكتوبة، لا ارتجالية، ما يعيدنا دائماً إلى البحث عن المعلومات. نفهم وجهة نظر حاتم من خلال الابن حسن، ونختبر معه تاريخ الثورة والمدن الثلاث. يضعنا سويد في قلب المواقف لخلق تعاطفنا وفي آن خلق مساحة للخطاب والنقاش. يعرف كيف يليّن فيلمه الجاف والمليء بالأجندات السياسية والحركات العسكرية والقضايا السياسية بالشعر والموسيقى والسرد القصصي. ويضع بذور أفكار وأسئلة لا تنتهي عن ماضينا وحاضرنا الذي هو في صيرورة دائمة.

«على الشرفة: ما هتفت لغيرها»: الإثنين 17 أيار ــ س: 19:30 مساءً ــ «دار النمر للفن والثقافة» (كليمنصو ــ بيروت). يلي العرض لقاء مع المخرج ــ للاستعلام: 01/310763

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا