منذ فترة، اختُتمت الدورة السادسة عشرة من «مهرجان بيروت الدولي للرقص المعاصر» (بايبود) بعد تأجيل طاولها نتيجة الظروف والمتغيّرات التي شهدها عام 2020. تعود الدورة السابعة عشرة من «بايبود 2021» تحت عنوان: Architecture of a Ruined Body، في موعدها المعتاد، مع التحديات نفسها التي ولّدتها الظروف الاجتماعية والسياسية والصحية الصعبة. في هذه الدورة، تتصدّر الثقافة والتساؤلات حولها، طليعة برنامج العروض، ليس بهدف الحصول على إجابات، بل لاكتشاف طروحات ووجهات نظر عما يعيشه العالم في الوقت الراهن.

تقول رائدة الرقص المعاصر مارثا غراهام (1894- 1991)، إن حركة الرقص تولد من حركات الإنسان الأساسية. كان طرحها هذا بمثابة ثورة في عالم الرقص المعاصر، حطّمت مارثا القيود في الرقص تماشياً مع المتغيرات التي كان يعيشها العالم في ذلك الوقت، وأخذته إلى منحى آخر. اليوم، يصعب التكهّن بالمسار الذي يمكن أن يأخذه الرقص في ظل ما نعيشه. أي حطام ستتم إعادة بنائه في ظل ما يعيشه العالم؟ يبرز اليوم مهرجان BIPOD، لينقل مشهدية الأجساد المحطّمة ومحاولة إعمارها من جديد، من دون توقع الحصول على إجابات عن مسار الرقص.
بمشاركة أكثر من 70 فناناً، من 10 مدن في أوروبا والمتوسط ، و10 منظمات ثقافية من 8 دول مختلفة، يُقام «بايبود 2021»، ويبث عروض الرقص على طريقة البث المباشر. لا يقتصر المهرجان على نقل عروض الرقص، وإنما ينقل فعاليات ثقافية، وحلقات نقاش، على منصة Citerne.live الإلكترونية، من دول عديدة. هذه المشاركة الواسعة هي الأولى من نوعها، إذ جرت العادة أن يكون التنظيم بأكمله بإدارة مؤسّس فرقة «مقامات» ومهرجان «بايبود» عمر راجح. توسعت المظلة هذا العام، بمشاركة رواد مسارح من مختلف الدول بما فيها: رام الله، الإسكندرية، نيقوسيا وغيرها.
يأمل عمر راجح، عودة المهرجان إلى خشبة «سيتيرن بيروت»، «لكن في الوقت الراهن، ونتيجة الانفتاح الذي نعيشه، تم استغلال الأزمة لتطوير المهرجان، الذي يتمثل هدفه الأساسي في جمع الراقصين والمهتمين والفنانين على منصة إلكترونية واحدة، ليكون أكثر شمولاً». بالفعل، تحولت منصة «سيتيرن لايف»، خلال عام واحد إلى ملتقى فني، بث عدداً من عروض الرقص حول العالم. خلق ذلك مساحة مشتركة بين الدول والعواصم، عزّزت لغة التواصل بين الأجساد في زمن التباعد الاجتماعي. من المقرر أن يعود «سيتيرن بيروت» إلى الحياة في أقرب وقت ممكن، لتعزيز دور المدينة الرائد، وإعادة تموضعها لتكون عاصمة الرقص المعاصر. بعد انتقاله للإقامة في باريس، يلحظ راجح الفوارق في التعامل مع الفنانين: «المشكلة ليست في الدعم المكثف الذي تقدمه المنظمات الدولية لنا، بل المشكلة في إهمال دولتنا للفنانين، وعدم إيلاء الأهمية لهم، ما يجعل الفوارق أكثر وضوحاً» نافياً وجود أي علاقة بين تنفيذ أجندة أو أهداف معينة للمنظمات الدولية، وتقديم الدعم للمهرجان.
بالنسبة إلى هذا العام، افتُتحت الدورة السادسة عشرة من «بايبود»، ليل أمس مع ثلاثة عروض: Focus Emergence يحاكي تطلعات جيل جديد من الراقصين من المغرب العربي وتونس، وقدّم رؤية حالية للمجتمع وآماله.
الليلة الأولى كانت حافلةً أيضاً، حيث قدّمت الفرنسية التونسية سيرين دوس I›m not White. العرض هو سرد قصص يشرح هويتها المزدوجة، يستخدم الكلمات والغناء والرقص للتعبير عن وجود مختلف في العالم، ويرى المسرح فضاءً للمصالحة والتحرر.
وفي عرض D DAY الذي قُدم في الليلة الأولى، برزت ثلاثة أشكال بشرية عمياء، تعلوها عين عملاقة مصنوعة من الصحف. رَسم كلٌّ من معاد حدادي، شروق المحاطي ومحمد المقيسي، عالماً شعرياً تندمج فيه الكثير من التساؤلات عن الواقع الراهن.
برنامج «بايبود» هذا العام، يزخم بالكثير من العروض والفعاليات، ويمتد حتى 27 حزيران (يونيو). عروض تحاكي الثورات وسقوط السلطة، وهندسة الجسد وما يمكن أن يحيطه من استسلام أو تمرد أو آلام أو هشاشة أو توتر. كما تحاول البحث عن المسارات الهندسية التي من الممكن أن تأخذها الأجساد.
من أبرز العروض الراقصة: ستقدم فرقة «مقامات» عرضاً لا يزال في طور التطوير. من المقرر تقديم الصيغة النهائية لعرض Cent Mille Façons de Parler أو «مئة ألف طريقة للتحدث» في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. يُقدم العرض في 8 حزيران، في سياق الـ Open Studio حيث تُبث تدريبات الراقصين من مدينة بلفور الفرنسية، في سياق إخراجي يتضمن محادثات مع الراقصين وما توصلوا إليه من تشكيلات على المستوى الحركي. العمل مستوحى من قصائد الحب لجلال الدين الرومي ومنهجيته للدين والفلسفة لجوهر الحب، ويركز على الجسد في اللحظات الشديدة من العاطفة والحب والرغبة.
في 19 أيار، سوف يُقدَّم Cosmos المستوحى من الحركة الأبدية للنجوم. يسعى العرض إلى طرح تناغم جماعي جديد، في عالم تندمج فيه الأجسام بحثاً عن فضاءات جديدة.
وفي 21 أيار، تقدم خلود ياسين Heroes - Surface of a Revolution، تطرح من خلاله تساؤلات عن القوة التي تخلقها الجماهير المتعطشة للقادة وكيفية صناعتها والمحافظة عليها، كيف يصبح جسد شخص ما رمزاً للقوة؟ وكيف يتم الإعلان عن سقوط السلطة بسقوط الجسد؟
ومن أبرز العروض اللبنانية، «عليهم» لألكسندر بوليكيفيتش، الذي يُقدم عبر تقنية البث المباشر على منصة «سيتيرن لايف» في 22 من أيار، من بيروت. العرض المنفرد، يروي قصة الخسارة والألم والإيذاء الجسدي والتمرد. يطرح ألكسندر مواجهته للأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحالية التي تضرب لبنان.
في 22 أيار يُقدم عرض Border -Line الذي يناقش العقبات والصراعات الناتجة عن كيفية تطوير الشعور بالملكية المشتركة للأمكنة؟ وفي 23 أيار، يُقدَّم Ground Zero الذي يطرح إشكالية فقدان الفضاء المعماري الذي يوفر مكاناً للوجود الجسدي. تستمر العروض مع Taldans on Taldans في 27 أيار. في هذا العرض، تقدم فيليز سيزانلي ومصطفى كابلان ، المؤسسان المشاركان لـ Taldans، سلسلة من مقاطع الفيديو من فيلم «انتصار فوق الشمس» الذي تم تصويره في معالم وأماكن حضارية وتاريخية في اسطنبول، تتعلق بعناصر مثل المياه والآثار التي خلّفها التحول الحضاري. أما في 28 أيار، فيُبث Walkthrough: Intersections وهي نزهة مشتركة مشياً على الأقدام. تُعد هذه تجربة جديدة يُستكشف الجسد من خلالها، ويتم تحويله إلى جزء من منظر المدينة. أما في 29 أيار، فسوف يبث Polyrhythm-graphy الذي يشمل تعدد الإيقاع الموسيقي والصوتي والحركي. وفي 30 أيار، سيتجلى الخطاب الكوريغرافي بشكل سلس وديناميكي، يتميز بالتقارب والتوقف والعبور والتعليق، ضمن عرض Genesis.
ومن أبرز العروض في شهر حزيران، «رحلة إلى القدس» وهو مشروع إنتاج رقص مستوحى من لعبة الأطفال الشهيرة «الكراسي الموسيقية». تمثل اللعبة صراعاً على المكان، وحق التملك والبقاء فيه. الهدف هو إيصال تأثير الصراع الفلسطيني على الفرد من خلال الحركة الجسمانية. ويتطرق إلى أوجه التشابه والاختلاف في الرقص الشعبي الفلسطيني في مناطق مختلفة تشهد أشكالاً مختلفة من الحرب والنضال. وفي 5 حزيران، A Solo for a Two Man الذي يطرح إشكالية الهوية وما تكرسه من تناقضات حول الواقع والوهم والنور والظلال والقلق والسلام.

«بايبود 2021» ــ Architecture of a Ruined Body: حتى 27 حزيران (يونيو) ـــ https://www.citerne.live/



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا