طهران | ودّع الوسط الفني الإيراني أخيراً، أحد أهم معلّمي الموسيقى التراثية. إنّه محمد رضا لطفي (1947_ 2014) الذي أسهم في التأسيس للذاكرة الموسيقية الحديثة في إيران، حافراً اسمه عميقاً في الموسيقى الفارسية الأصيلة، ومقدّماً تجربة متوازنة بين الحداثة والتراث. لم تتموضع تجربته في أي من التيّارين الفكريين المتناحرين في مختلف الحقول الفنية في إيران.


حين لم يفلح التيار الحداثي في الهيمنة على الوسط الفني أو إحداث قطيعة مع الموروث، ولا استطاع التيار التقليدي المحافظة على نقائه، تحوّل هذا الصراع إلى نقطة جوهرية في مسيرة لطفي. الباحث المتبحّر، والعازف المجدد على آلتي التار والسيتار التراثيتين نقدَ المؤلفات الغربية المرجعية المختصّة في الموسيقى الإيرانية. كما قدم السياقات الحقيقية للموسيقى الإيرانية بعيداً عن الإسقاطات والتنظيرات الغربية التي لا تمت لواقع الموسيقى الإيرانية بصلة. تتجلى جلياً تلك المواءمة بين الحداثة والتراث في مشروع محمد رضا لطفي. هكذا ذهب إلى تلحين أشعار كلاسيكية معاصرة، لتقترن مسيرته باسم أحد كبار الشعراء الكلاسيكيين المعاصرين هوشنك ابتهاج سايه.
قدّم هذا الثنائي تحفاً فنية حفرت عميقاً في الذاكرة الجمعية الإيرانية. عزا الراحل سر اهتمامه بالشعر الكلاسيكي المعاصر وأشعار سايه تحديداً إلى الشحنة العاطفية في قصائده التي تعبر بجمالية عن هموم معاصرة، على خلاف الأعمال الكلاسيكية لكبار الشعر الفارسي مثل حافظ الشيرازي والعطار النيشابوري وجلال الدين الرومي.
ينتمي محمد رضا لطفي إلى جيل الموسيقيين المجددين في التراث ممن برزوا قبل عقد من انتصار الثورة الإيرانية. أحدث هؤلاء تغييرات جوهرية في محتوى وشكل الموسيقى التقليدية التي تم تدوينها قبل حوالى قرن ونصف. علاوة على تعلّمهم العزف في المدارس التقليدية، درسوا علم الموسيقى الحديثة في المعاهد والجامعات، وأدّى تعاونهم مع كبار الغناء التراثي إلى رفد الموسيقى الإيرانية بأعمال خالدة.
انطلقت تجربة لطفي من «معهد الفنون الجميلة» في طهران الذي أمضى فيه خمس سنوات، قبل أن يلتحق بـ«كلية الفنون الجميلة» في «جامعة طهران» حيث تتلمذ على يد علي أكبر شهنازي وحبّ الله صالحي.

تعاون مع المنظر الماركسي
إحسان طبري، والروائي محمود دولت آبادي ورائد الشعر المعاصر علي أسفندياري
وبعد إنهائه الدراسة الأكاديمية للموسيقى المحلية، عمل عام 1972 في الإذاعة والتلفزيون الوطني. كما استحقّ عضويته في «الهيئة العلمية لكلية الفنون الجميلة» عام 1974. مع عازف التار الكبير حسين عليزاده وبعض الموسيقيين الآخرين، أسس لطفي فرقة «شيدا» التي عملت على إعادة إحياء وتقديم بعض المقطوعات التراثية الشهيرة. لاحقاً، انضمّ إليهم الملحن وعازف السيتار برويز مشكاتيان ليؤسسوا فرقة «عارف» عام 1977. لا شكّ أن التاريخ سيشهد على أن هاتين الفرقتين أحدثتا ثورة حقيقية على صعيد الموسيقى الفارسية، هذا ما يجمع عليه المحلّلون والنقاد.
كي يفرغ هذا الفائض الإبداعي، لم يكن أمام لطفي سوى تأسيس فرقة موسيقية أخرى تزامناً مع بدايات الثورة الإيرانية. مع حسين عليزاده وبرويز مشكاتيان وعلي أكبر شكارجي، أطلق مركز «تشاووش» للموسيقى. هذه التجربة الأصيلة التي عملت منذ السبعينيات حتى أوائل الثمانينيات، جمعت أهم الموسيقيين مع كبار المنشدين الإيرانيين كالمنشد الشهير محمد رضا شجريان، وفارس الأغنية التراثية شهرام ناظري.
وعلى رغم فرادة تجربة لطفي الموسيقية، إلا أن أهمية هذا المركز لم تنحصر بمنجزه الشخصي. يتفق المتخصصون في الموسيقى الإيرانية على أنّ مركز «تشاووش» أنجب كبار أساتذة الموسيقى إن كان على صعيد العزف والتلحين أو على الصعيد الغنائي. وقد اعتبرت البومات وتسجيلات المركز الموسيقية من الأهم والأكثر تأثيراً في تطوّر الموسيقى التراثية الإيرانية.
في عام 1986، غادر لطفي إلى الولايات المتحدة، لتتوقف أعمال الفرق المذكورة بعد سنوات قليلة على ذلك. على مدى 20 عاماً في الخارج، طوّر لطفي تجربته وأقام حفلات في آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية. لم تبعد هذه المحطّة الطويلة لطفي عن إيران، بل عاد عام 2006 أكثر نشاطاً. هكذا، أعاد افتتاح مدرسة «ميرزا عبد الله للموسيقى» و«شركة معهد تشيدا للتسجيل». أما الإنجاز الأهم والأكثر مجازفة في دولة كإيران، فيتمثّل في عمله مع موسيقيات إيرانيات وتأسيسه لفرقة «تشيدا للنساء». سعى لطفي من خلال فرقته النسائية هذه الى القضاء على الحظر الذي تفرضه إيران على أصوات الصولو النسائية.
في حوار قديم حول نزعته التحديثية في الموسيقى التراثية، يقول لطفي: «حين أشرع في التلحين، لا أفكر إن كان اللحن تراثياً أو حداثياً، بل إن الأسلوب ينشأ أثناء العملية الإبداعية. للتحديث صلة وثيقة بحياة الفرد ومناخه الروحي والذهني، ولا يمكن اعتباره طارئاً يتلبس الفنان بقدر ما هو نابع من أعماقه. يجب أن يكون الفرد ذا ذهنية حداثية كي يكون قادراً على الإبداع». هكذا، يحيلنا حديثه إلى مدى تجذّر الحداثة كحالة يومية في أعمال لطفي الذي لم يمنعه ارتباطه بالآلات الموسيقية التقليدية كالتار والسيتار والدف والناي، من التحديث الموسيقي الجدي. أعماله وتجاربه تكشف لنا عن قناعة راسخة بالحداثة المعتدلة. وخير دليل على ذلك، مشاريعه الموسيقية المشتركة التي قدمها مع مفكرين من أمثال المنظر الماركسي إحسان طبري، ومع الروائي الكبير محمود دولت آبادي ورائد الشعر الفارسي المعاصر علي أسفندياري. بعد رحيله جراء السرطان هذا الشهر، رثاه رفيق الدرب حسين عليزاده بعبارة مقتبسة من إحدى الأغاني التراثية التي أجاد لطفي تلحينها: «عازف الألحان، ما الذي دعاه يغادر الجسد؟». غادر محمد رضا لطفي جسده، ونزولاً عند وصيته، دفن تحت أقدم شجرة في مسقط رأسه جرجان (شمال إيران).