كان بيتهوفن (1770-1827) عاجزاً عن السَماع، «مُبعَداً خارجَ العالَم، منفيّاً داخلَ ذاته». حياته المليئة بالمواجع، والتعقيد، والعذاب، قدمها الكاتب اللبناني اسكندر نجار، في مؤلفه «اعترافات بيتهوفن». وها هو اليوم يقدّمها على شكل قراءة مسرحية، بعدما صاغها الشاعر هنري زغيب إلى العربية، ويؤديها الممثل بديع أبو شقرا، برفقة العازف الفرنسي نيكولا شُڤرو، على خشبة «مسرح مونو» لليلتين متتاليتين (9 و10 آب/ أغسطس). ستخرج اعترافات حميمة، تضيء على علاقة العبقري الموسيقي الشهير، مع والده، ومعاناته مع النساء، وأخطائه السياسية، وغيرها من الاعترافات، وسيستعيد معها الجمهور، إيمان بيتهوفن، وشغفه وصلابته والمصاعب التي واجهها بسخرية، وقناعة وصبر.

يؤكد اسكندر نجّار لنا أنّ الفكرة ولدت قبل ثلاث سنوات، بعدما كان الممثل الفرنسي، جان فرنسوا بالمير، قدمها في «أمسيات باريس» في سياق مناسبة «مهرجان البستان» في بيت مري. لاحقاً، جرى «تصديرها» إلى فرنسا، حيث عرضت في مدينة بربينيان، ثم في باريس. ومن المقرر أن تُستأنف العروض في العاصمة الفرنسية اعتباراً من 19 أيلول (سبتمبر) المقبل. أي، بعد تقديم النسخة العربية لـ «اعترافات بيتهوفن» في بيروت.
بالنسبة إلى النص المعرّب، حافظ الشاعر هنري زغيب على روح النصّ الأصلي بالفرنسية، وأدخل إليه نجار، نَفَسَ اللغة العربية وإحساسها وشاعريتها. «كل لغة لها رونقها، والتحدي الذي يواجهه المترجم هو أن ينقل النص من ضفة إلى أخرى بأمانة، ولكن من دون أن يغرق في الترجمة الحرفية، مع حرصه على أن «يُلبس» النص الجديد، رونقاً خاصاً باللغة التى ترجمه إليها». هذا على مستوى المضمون، أما على صعيد الشكل، فيؤكد نجار على أنّ الموسيقى في القراءة المسرحية، تحمل عنصراً سردياً. وعليه، يأتي الخيار الموسيقي، متناسباً مع كل فصل من فصول العمل، بحيث تتفاعل مع اعترافات الراوي، وتكمل المشاعر التي تختلج في نفسه.

حافظ الشاعر هنري زغيب على روح النصّ الأصلي بالفرنسية، وأدخل إليه اسكندر نجار، نَفَسَ اللغة العربية وإحساسها وشاعريتها


ما الذي يمكن أن يحمله المتلقي معه من خلال «اعترافات بيتهوفن»؟ يقول نجار في هذا الصدد، إنَّ كل متفرج، أو قارئ، يتفاعل حسب إحساسه، بعيداً عن مبدأ التلقين. «نأمل أن يؤدي التكامل بين الكلمات والموسيقى، إلى إثارة مشاعر الحاضرين، وأن يُظهرَ العملُ بعدَ شخصية بيتهوفن الإنساني، بتناقضاته وضعفه، ويبيّن قدرته على تخطي معاناته لخلق أعمال خالدة». قد يبدو للوهلة الأولى، أنّ اعترافات بيتهوفن، تأتي خارج سياق ما يعيشه الجمهور في بيروت، خصوصاً في ظلّ الأزمة المالية والمعيشية وتداعياتها الاجتماعية والنفسية. لكن تبدو جليّةً، حاجةُ المجتمعات إلى الثقافة، للاستمرار والمحافظة على هويتها. في هذا الصدد، يقول اسكندر نجار، نقلاً عن الأديب الفرنسي جان جيونو (1895- 1970) «إنّ دور الشاعر، هو أن يكون أستاذ رجاء». من هذا المنطلق، يتحتم الاستمرار، رغم الصعوبات «لنبعث الأمل»... «هذا لا يعني أننا ننظر إلى الأمور بسذاجة أو رضى، على العكس. يجب على الكاتب أن ينخرط في مجتمعه، وأن يعي المسؤولية الملقاة على عاتقه، ليحمل هذا المجتمع على الانتفاضة على واقعه المرير، من خلال مده برؤية تغييرية».
 انطلاقاً من ذلك، قد تجوز المقاربة بين واقع لبنان، الذي يشهد عزلةً ثقافيةً عن محيطه، وضعف إنتاجه الفني، وواقع بيتهوفن، الذي كان عاجزاً عن سماع نوتاته. «إنَّ لبنان هو بمثابة عازف أو مؤلف موسيقي، لم يعد قادراً على سماع نوتاته، وأصوات محيطه، فخرج من عالم اللامبالاة والترف، ليجد نفسه في عزلة. ولكن ما ينقذه هو إبداعه الذي يتجسد في نجاحات اللبنانيين، خصوصاً خارج الوطن».

«اعترافات بيتهوفن»: س:20:30 مساء اليوم وغداً ـــــ «مسرح مونو – الأشرفية) ــــــ للاستعلام: 70/626200