رام الله | "أنا لا أحبك يا موت، لكني لا أخافك، وأدرك أنك سرير لجسمي وروحي لحافك.. وأدرك أنّي تضيق عليّ ضفافك.. أنا لا أحبك يا موت، لكني لا أخافك!".. كانت هذه آخر كلمات أيقونة الشعر العربي سميح القاسم التي خطها بيده قبل رحيله بأيام، ونشرت كصورة على صفحته على الفايسبوك، قبل أن يخطفه من لا يحب، مساء أول من أمس، متواطئاً مع "الخبيث الذي لا يرحم".


وتوالت ردود الفعل الفلسطينية والعربية، السياسية والثقافية والفنية، في نعي صاحب "منتصب القامة"، و"تقدموا"، وغيرها الكثير من القصائد الخالدة.. ونعى الرئيس محمود عباس، الشاعر الفلسطيني الذي غيبه الموت مساء الثلاثاء، بعد صراع مع المرض. وقال عباس في بيان له، إنّ القاسم "صاحب الصوت الوطني الشامخ، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، هو الذي كرّس جلّ حياته مدافعاً عن الحق والعدل والأرض".
وفي الإطار نفسه، نعته اللجنة التنفيذية لـ "منظمة التحرير الفلسطينية". وقالت حنان عشراوي رئيسة دائرة الثقافة والاعلام في المنظمة: "تلقينا ببالغ الحزن والأسى وعميق التأثر نبأ وفاة أحد أبرز رموز الثقافة الإنسانية المعاصرة، الشاعر الكبير سميح القاسم، شاعر الوطن والثورة، عاشق فلسطين، وأحد أهم رواد المشروع الثقافي الفلسطيني الحديث". وأضافت: "عاش القاسم مدافعاً عن الثقافة الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات التبديد والطمس حيث حملت أشعاره ومؤلفاته في طياتها قضية ومعاناة وطموحات شعبه وبلاده، إلى كل أرباع الكون، وكل اللغات، لترسم صورة الإنسان الفلسطيني.
من جانبه، قال "المجلس الوطني الفلسطيني" على لسان رئيسه سليم الزعنون، إنّ رحيل سميح القاسم "خسارة كبيرة للشعب الفلسطيني الذي كرس كل أعماله الشعرية في خدمة قضيته ونضاله العادل، وخسارة لا يمكن تعويضها لامتنا العربية".
وقال: "سيبقى شعبنا الفلسطيني يقاوم ويناضل حتى يتحقق حلمه في العودة إلى وطنه وهو يخلد أعمال شاعر فلسطين ويستذكر قصيدته الخالدة: تقدموا. تقدموا. يموت منا الطفل والشيخ. ولا يستسلم، وتسقط الأم على أبنائها القتلى ولا تستسلم. تقدموا. مهما هددوا وشردوا ويتموا وهدموا. لن تكسروا أعماقنا. لن تهزموا أشواقنا. نحن القضاء المبرم. تقدموا".
وعلق "متحف محمود درويش" في مدينة رام الله نشاطاته لثلاثة أيام حداداً على روح القاسم، فيما نعت وزارة الثقافة الفلسطينية "شاعر فلسطين الكبير وأحد أبرز وجوهها الثقافية والشعرية، الشاعر المناضل سميح القاسم، الذي غيبه الموت بعد صراع طويل مع المرض".
وأعرب "الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين" عن شعوره بفداحة الخسارة للحركة الثقافية في فلسطين، وفي الوطن العربي، والعالم الحرّ، برحيل هذه القامة الثقافية العالية، واستذكر "بمزيد من الفخر الدور الذي لعبه الشاعر الكبير، إلى جانب الراحلين توفيق زيّاد ومحمود درويش، في التأسيس لمدرسة المقاومة الشعرية، التي انطلقت شرارتها الأولى من داخل الدائرة الضيّقة التي أغلقها الغاصبون بالنار والحديد على ذلك الجزء العزيز والغالي من وطننا، وليكسر الشعراء الثلاثة، ومن جايلهم من مثقفينا هناك، تلك الدائرة السوداء محلقين في الفضاءات العالية".
في حوار أجراه كاتب هذه السطور معه قبل قرابة شهرين، وبدأت "ذوات" (صحيفة ثقافية فكرية تصدر عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث") بنشره على أجزاء، استهجن القاسم حديث البعض عن نظمه قصيدة لرئيس وزراء الاحتلال الراحل إسحق رابين. وقالها بوضوح: "هذه إشاعة. على حد علمي، ذكرتُ رابين في الشعر العربي مرة واحدة في قصيدتي "يوم الأرض" عام 1976. قلت حينها "هل أوقفت الشمس على أسوار أريحا. أرضيت الرب القاتل لا نعلم. لكنا نعلم أن الشمس تسير على أعناق الشهداء. من بحر البقر إلى سخنين ومن المغرب لفلسطين فاسمع يا يوشع واسمع يا رابين. ما حصل وشُوه بهذا الشكل البذيء وتم الإدعاء زوراً وبهتاناً بأنني رثيت رابين، هو باختصار أنه عقدت ندوة عن العنف السياسي والأدب، وطلب مني أن أحاور بعض الشعراء اليهود. بالمناسبة قلتها مليون مرة أنا أحاور الشيطان شخصياً في سبيل قضيتي. نحن لسنا عنصريين ولسنا معادين لليهود كونهم يهوداً، فهناك يهود تقدميون أشرف من سماسرة وعملاء عرب. أنا أحاور الجميع. لقد سبق وحاورت "كهانا". قضيتي عادلة وأنا قادر على الدفاع عنها، لذلك حين أدعى لحوار كهذا في ذكرى مقتل رابين، مكاني الطبيعي أن أكون هناك لأنقل صوتنا جميعاً. صوت شعب وأمة. لم تعينّي الجامعة العربية. وأنا، لمن أحب أو لم يحب، الناطق غير الرسمي باسم الأمة العربية كلها، وباسم الأمة الإسلامية كلها. هذه الإشاعات كلام صهيوني، فلا مصلحة لأحد بتشويه سمعتي أو سمعة محمود درويش أو غيرنا إلا الحركة الصهيونية الهادفة إلى تشويه رموز أدب المقاومة، وللأسف نجد من يكرر هذه الاتهامات وذلك لغياب "الثقة بالنفس".
وقتها قال القاسم، وكان يرتدي بيجاما من "الستان" في منزله في قريته الرامة في الجليل الفلسطيني المحتل منذ عام 1948: "رحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ، لأن القصيدة تنبأت بذلك. تشتتنا بين رام الله والرامة في الجليل أمر طبيعي في هذه المرحلة غير الطبيعية. هذه المرحلة غير الطبيعية عابرة لأن القصيدة الفلسطينية قالت لها ستكونين لها مرحلة عابرة. هذا ما قالته القصيدة، والقصيدة لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض. القصيدة تقول حلمها وجموحها بكل حرية، ولذلك فليس هناك شيء أكثر صدقاً من "القصيدة الصادقة".
وتذكر القاسم "يوم ودعنا قيادة المنظمة في تونس. قلت لأهل تونس جايين نأخد البنت منظمة التحرير لعريسها الوطن". وأضاف: "قلت بأن الدولة الفلسطينية قادمة، فرد عليّ أحدهم بأنني أهذي وبأن ما أقوله خيال شعراء، فأكدت بأنه ليس على الأرض أكثر واقعية من خيال الشعراء. وخيال الشعراء يقول بأن الاحتلال زائل لأنه باطل. الاحتلال يتعارض مع المنطق التاريخي ومع الوعي الإنساني ومع الأديان والشرائع السماوية والأرضية، ومع مهب رياح العصر الذي يرفض الاحتلال والعنصرية ونهب الأرض وبناء البيوت عليها للوافدين من كل أنحاء الأرض، ويرفض ما يسمى "الاستيطان"، وهو استعمار كولونيالي بكل معنى الكلمة. هذا ما قالته القصيدة الفلسطينية منذ بداية الصراع".