يقوم «إسلاميو لبنان: الوحدة والاختلاف على أرض المستحيل» (دار المسبار ــ دبي) على فكرتين رئيسيتين، أولاهما اقتصار الكتاب على تناول «الجماعة الإسلامية» و«حزب الله»، باعتبارهما الأبرز إسلامياً على الساحتين الشيعية والسنية؛ وثانيتهما استقراء الأسباب التي أدت إلى جعل الحزب ممثلاً وحيداً للإسلاميين الشيعة في لبنان والممثل الأول لطائفته، وتراجع الجماعة إلى حدود تشكيلها مكوّناً من مكوّنات الإسلاميين السّنة الذين لم يستطيعوا تقدّم الصفوف ومزاحمة الزعامات التقليدية للطائفة. لا يُعدّ هذا الكتاب الأول من نوعه لعبد الغني عماد. سبقته مؤلفات عدّة تناولت حال الإسلاميين في لبنان وتاريخهم من وجهة نظر علم الاجتماع السياسي؛ لكونه اختصاص المؤلف الذي رأى أنّ كتابه «يُدشّن مدخلاً موضوعياً لدراسة الحركات الإسلامية في لبنان».


يرى صاحب «حاكمية الله وسلطان الفقيه» أنّ «الإسلام السياسي الحركي اللبناني يمارس تجربته التنظيمية والسياسية في حقل شديد التنوع الطائفي والمذهبي من دون أن يتعرض لأي قمع أو اضطهاد»، ما جعله يخلص إلى أنّ دراسة الحركات الإسلامية في لبنان «تجربة رائدة تستحق التأمل والدراسة».
يُقدّم عماد كتابه على أنّه «قراءة ميكروسوسيوسياسية مقارنة»، مركزاً على «الجماعة الإسلامية» و«حزب الله»، «رغم التفاوت الكبير بينهما في الإمكانات المادية والتمثيل الشعبي»، واعداً بأن يتبع كتابه جزء ثانٍ «مخصص لما بقي من الحركات والتنظيمات الإسلامية العاملة في لبنان».
يرى صاحب «الحركات الإسلامية في لبنان» أنّ ما يعزز أهمية عمله أنّ بعض الحركات الإسلامية «نجح في تكوين إطاراته وتجربته ومؤسساته، بل خطاباته واجتهاداته بنسب متفاوتة»، لكنه يعيب عليها أنها «بقيت حبيسة الاجتماع السياسي اللبناني التقليدي بانقساماته واصطفافاته وتناقضاته».
يعزو عبد الغني عماد تأخر ظهور الإسلاميين في لبنان مقارنةً بالدول العربية، إلى أنّ «الإسلام السياسي لم يكن عقائدياً ولا تغييرياً راديكالياً، بل كان الفاعل فيه تقليدياً يتمثل في عائلات وأعيان مدينية الطابع، انخرطت بعد ممانعة في لعبة النظام اللبناني وتركيبته الطائفية المعقدة» من دون أن يخفي تأثير المرحلة الناصرية في ذلك في موازاة نمو الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية. ويرى صاحب «الجهاز الديني في المجتمع التقليدي» أنّ الصراع السوري الفلسطيني في لبنان «ترك حالاً من الفوضى ومناخاً من الفراغ السياسي، ترافق مع ازدياد تأثير الثورة الخمينية في إيران وتفاعل شيعة لبنان معها»، ما أدى «إلى خلق الظروف الموضوعية لإعادة شحن الحركات الإسلامية لتقديم نفسها كبديل» في الوسطين الشيعي والسني. ويخلص إلى أنّ «حزب الله» كممثل وحيد للحركة الإسلامية على المستوى الشيعي «حافظ على قوته بفضل الإمكانات اللامحدودة التي وفرتها له إيران، وبفعل المقاومة الصلبة التي خاضها مقاتلوه بمواجهة العدو الصهيوني بعد انفراده بساحة الجنوب» على عكس الحركات الإسلامية السّنية التي «سرعان ما بدأت بالتراجع أمام تيارات جديدة صاعدة، أهمها ما مثلته ظاهرة الحريرية و«تيار المستقبل» في الشارع السّني».
في الخلاصة التحليلية النقدية، يطرح عماد سؤالاً: «لماذا لم تنجح «الجماعة الإسلامية» كما نجح «حزب الله»، وهي التي سبقته في التأسيس بما يقرب من ربع قرن؟». يرى المؤلف أن تفسير هذه المفارقة يكون عبر رصد العناصر «الكابحة» والعناصر «الدافعة» للنمو والانتشار لدى «الظاهرتين الحزبيتين، بدءاً من ظروف والتباسات النشأة والتأسيس»، مروراً «بتوافر رعاية واحتضان وتمويل إقليمي (إيراني) للحزب»، وهو عامل غاب عن الجماعة، وصولاً إلى «انفراد الحزب بمشروع المقاومة برعاية سورية متميزة، والهيكلية التنظيمية القوية له، بينما وقعت الجماعة في هذه الإشكالية، بحيث بقي الداعية فتحي يكن أميناً عاماً لها قرابة 30 عاماً، ما مثل أحد «كوابح» تطوير هيكليتها».
يخلص عماد إلى أنّ المقارنة بين الحزب والجماعة «غير منصفة»، لكنّه يرى أن خطاب الجماعة «أقل خطورة على الاجتماع السياسي اللبناني، إلا أنّ هذا جاء على حساب شعبيتها وفقدانها القدرة على الإمساك بالطائفة أو ادعاء تمثيلها»، بينما الحزب «حرص على الاحتفاظ بدرجة توتر عالية في خطابه تسمح له بقدرة استنهاضية، ما جعله أكثر خطورة على الاجتماع السياسي اللبناني، مع أن هذا جاء لمصلحة شعبيته من خلال الإمساك بالطائفة مع سعيه إلى التمدد خارجها».