الجزائر | يكاد اسم رشيد بوجدرة يكون مرادفاً للجدل. صاحب «الحلزون العنيد» لا يفوت فرصة من دون التهجم على منتقديه، وفضح خصومه الإسلامويين علانيةً. خرجاته الاعلامية وتصريحاته الحادة سببت له مشاكل كثيرة، ورفعت عدد أعداده، لكن خلف صورة الكاتب النقدي والروائي المجدد في الادب المغاربي، يعيب كثيرون على بوجدرة مرونته في التعامل مع السلطة الرسمية في الجزائر، وقربه غير المبرر من بعض الجنرالات، مثل وزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزار.


هو شاهد على كبريات التحولات في جزائر ما بعد الاستقلال (1962)، عاشر ﺃهم ﺃسماء جيل المؤسسين (كاتب ياسين، محمد ديب...) كما أنّه واحد من الروائيين القليلين الذين رفضوا التخندق في اللغة الفرنسية، وظل يزاوج بينها وبين العربية. بعد مجموعة شعرية ﺃولى بعنوان «من أجل إغلاق نوافذ الحلم» (1965)، ﺃصدر عدداً من الروايات التي حاولت كسر تابوهات اجتماعية وسياسية وتاريخية، مع ﺇصرار على «قتل الأب» ولو رمزياً، فوضعت صاحبها في واجهة المشهد الروائي الفرنكوفوني.
ﺃما ﺁخر رواياته، فهي «شجر الصبار» (2010) التي ﺃنهى بها عقداً يقضي بنشر خمس روايات مع دار Grasset الفرنسية. في وقت سابق، عبّر الروائي نفسه عن نيته العودة ﺇلى الكتابة بالعربية، ما لم يعجب روائيين معرّبين كثراً في الجزائر، نظراً إلى الاقبال الواسع الذي تحظى به روايات بوجدرة في بلد المليون شهيد. في الثمانينيات، ﺃصدر رواية «التفكك» بالعربية، فﺃثار حساسية الروائي الراحل الطاهر وطار الذي خاصمه حتى آخر يوم من حياته (من جهته، رفض بوجدرة حضور جنازته).
خصوم صاحب «فوضى الأشياء» اليوم كثر، أهمهم الروائي ياسمينة خضرا الذي جرّده صاحب «فندق سان جورج» من صفة الكاتب ولم يعترف بنجاحاته. بموازاة حساسياته الادبية، وخصوماته الفكرية، ظلّ رشيد بوجدرة حاضراً وفاعلاً في الحياة اليومية، وخصوصاً على الصعيد السياسي. خلال التسعينيات يوم كانت الجماعات الاسلامية تغتال المثقفين والصحافيين، فضل بوجدرة الانسحاب ﺇلى الصحراء بدل الهروب ﺇلى الخارج كما فعل كثيرون، ونشر وقتها مانيفستو نقدياً حاداً بعنوان «فيس الكره»(1991، فيس نسبة ﺇلى الجماعة الاسلامية للإنقاذ). وحتى اليوم، لم يغفر للجماعات الاسلامية المسلحة «خطيئتها» بزج البلد في حرب دموية، كما أنّ روحه «الاندفاعية» ويساريته وتمسكه بموروثه الشيوعي، عكرّت صفو علاقته باللوبيات الثقافية الباريسية. وبعدما كان الاسم «الأرقى» بين كتاب الجيل الثاني من الأدباء المغاربة في فرنسا مطلع الثمانينيات، بدأت شعبيته تتراجع في نهاية التسعينيات، وازداد التعتيم عليه بعد مقاطعته معرض باريس للكتاب (2008) بسبب استضافة اسرائيل كضيف شرف، هو المعروف عنه دفاعه عن القضية الفلسطينية، («يوميات فلسطينية»ـ 1972). وبعيداً عن الكليشيهات والاختصارات الضيقة التي تحصر رشيد بوجدرة في الكتابة الروائية الإيروتكية، فانّ الرجل أسهم في تحطيم التابوهات، وخصوصاً الاجتماعية والسياسية في جزائر ما بعد الاستقلال. حاول الحفاظ على مسافة بينه وبين السلطة، لكنه لم ينجح تماماً في مسعاه. هو يعيش اليوم شبه عزلة في الداخل، مشتتاً بين الجزائر والمغرب. بعضهم يقول إنّه انصرف عن الابداع، لكن، كما تعودنا، فانّ بوجدرة لا يتوقف عن مباغتة القارئ بكتاباته المستفزة والمثيرة للاسئلة، وبالتالي، فانّ عودته للرواية لن تكون ﺃقل قيمة مما عهدناه عليه في السابق.