لا يستثني الكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة أحداً من النقد والسخرية، سواءٌ كان مثقفاً أو ناشطاً سياسياً. يقدم في كتاب «نيوتن يصعد إلى التفاحة ـــ تأملات في المشهد الثقافي الجزائري»(دار التنوير ـــ الجزائر) قراءات متقاطعة لمشهد ثقافي جزائري مضطرب، تطغى عليه الارتجالية، وتغيب عنه روح الإبداع الحقيقية. كرس بوكبة (1977) النصف الأول من السنة الماضية، لالتقاط مشاهد ومعاينات وكتابة «اليوميات»، وتتبع مسارات شخصيات ثقافية وسياسية وطنية، والتعليق عليها، في نصوص قصيرة، لم تخلُ من الفكاهة والصرامة في النقد، مع عتاب مبالغ فيه أحياناً وسوداوية في الطرح أحياناً أخرى. ولم يغفل المؤلف نفسه عن توطين نصوص الكتاب ضمن سياقات جزائرية محلية محض بإدراج أقوال وأمثال شعبية مقتبسة من لغة الشارع ومن كلام العجائز وكبار السن، ومزجها مع تنويعات لغوية جديدة استحدثها الشباب مع توسع استخدام وسائط التواصل الاجتماعي مثل الفايسبوك.


هكذا، فقد جاءت نصوص الكتاب لتخاطب الواقع الجزائري بلغته وكلماته، وتلفت نظره إلى ما خفي عن عينه. لا تتوقف نصوص «نيوتن يصعد إلى التفاحة» عن استحضار الماضي والحاضر في آن وقت. يعيب المؤلف على الماضويين تعلّقهم المفرط بالتاريخ ويكتب: «تصوّروا أنّ امرأ القيس يبعث في سياقنا الحالي، هل تعتقدون أنه سيبقى وفياً لعمود الشعر، وهو يدردش مع فاطمة في الفايسبوك؟ شخصياً أعتقد أنه سيكون رائداً في الحداثة اليوم مثلما كان رائداً بالأمس». صاحب «من دسّ خُفّ سيبويه في الرمل» (2004) لم يستسغ تمادي البعض في الاحتفال بخمسينية الاستقلال في الجزائر، بإدراجها فقط ضمن سياقات نوستالجية وبكائية، وهي حالة ألقت بظلالها طويلاً على القطاع الإبداعي إجمالاً في بلد المليون ونصف المليون شهيد. صار التزييف لغة شائعة بين مختلف الأجيال المتعاقبة. «لقد بتنا في الجزائر نصاب بالخيبة ونحن نقرأ كتاباً أو نشاهد فيلماً أو مسرحية أكثر مما نصاب بالفرح، لأنّ الزيف والتزييف هما اللذان أنتجا ما قرأنا أو شاهدنا، ولم ينتجه مبدع يحترم نفسه وفنه وشريكه في الإبداع الذي هو المتلقي».
بوكبة لم يستثن نفسه ولا جيله من الكتّاب من النقد، وتهجم على بعض المبدعين: «أحسّ ـــ وأنا أقرأ بعض الرّوايات ـــ بأنها مصابة بالزكام، ويتجلّى ذلك في لغتها ومعمارها وشخوصها. ولأنّ كاتبها إما جاهل أو متطفل أو مطمئن إلى ما يكتب لكثرة مجامليه نقدياً وإعلامياً، إذ ما أكثر هذا الوباء في مشهدنا، أو من ذلك النوع المهمل والكسول، فإنه لم يقدّمْ لها المضادّاتِ الحيوية التي تجعلها قادرة على استرجاع عافيتها، والنتيجة نفورُ القارئ الواعي الذي لا يتصالح مع الرّوايات المزكومة». ولأنّ الثقافة في الجزائر ليست سوى نسخة مكررة من السياسة، تتحمّل باستمرار خيبات النخبة الحاكمة، وتواطؤها في تكريس فقط ما يخدم مصالحها الذاتية، فإنّ الكاتب يحملها جزءاً من«الإهمال والارتجال» الذي بلغته الحال الثقافية في البلد ويكتب في نقد الأحزاب السياسية: «متى تعلم هذه الأحزاب أنها ـــ مثل الحكومات ـــ باتت من كوابيس الجزائريين؟».
حاول عبد الرزاق بوكبة في كتابه أن يتطرق إلى مختلف الموضوعات التي تهمّ المثقف الجزائري الحالي من جهة، والمتلقي من جهة أخرى، والتعليق عليها والسخرية منها، لكنّه يعجز في النهاية عن إيجاد وصفة للخروج من الوضع المستعصي، ويكتب في ما يشبه بيان خيبة مخاطباً المثقفين الجزائريين: «ما الذي يجب أن يفعله مثقف حرّ وحقيقي حتى يكتسب مناعة قوية ضد أوبئة المشهد الجزائري في تجلياته المختلفة؟ هل عليه أن يهاجر مثلما فعل أركون، وديب وجبار وسكيف وغيرهم من الأمخاخ الجزائرية في المجالات كلّها؟ علماً أنّ الهجرة قد لا تكون متاحة له، وإن أتيحت، فليس مضموناً أن تكون مثمرة بالضرورة، أم يبقى في الداخل، فيكون معرّضاً لكل المساومات التي إن لم تجرده من التعبير، فإنها مبرمجة على أن تجعل تعبيره صرخة في واد، لا أحد يسمع. إذ تشترك كل المنابر في التضييق على صوته حتى تلك التي تدعي كونها مستقلة وديموقراطية». المثقف الجزائري اليوم لا يمتلك خيارات كثيرة. قمع الصوت والرقابة المسلطة عليه في الداخل، سمتان تؤرقان حياته باستمرار.