لا يزال جان دانيال يحلم بحياة ثانية ليشهد محصلة ثورات «الربيع العربي». أخيراً، ﺃصدر الكاتب والصحافي الفرنسي «مرايا حياة» (غاليمار _2013)، مستعيداً فيه شهادات سياسية وأدبية، ولقاءات مع رؤساء عرب سابقين، إلى جانب تجربته النضالية في مواجهة الكولونيالية. يخرج مؤسس Le Nouvel Observateur من التصنيفات الجاهزة، ليحتفظ بصفة واحدة «شاهد عيان على النصف الثاني من القرن العشرين».


منذ ولادته عام 1920، بقيت ذاكرة الرجل منتعشة بالأحداث، وبالحنين إلى مسقط رأسه في البليدة (60 كلم جنوبي الجزائر العاصمة). هناك، عانى عقدة «الدونية» تجاه الفرنسيين المسيحيين بسبب يهوديته، واضطر لتغيير اسمه من جان دانيال بنسعيد إلى جان دانيال. «رفضت استشعار الاختلاف، وتحمّل تصنيفي في درجة أدنى» يقول. هكذا التحق بالحراك الثقافي والسياسي في جزائر منتصف الأربعينيات، «على غرار أبناء جيلي، دخلت العمل السياسي من بوابة معارضتي للكولونيالية». ورغم مناهضته للفكر الاستعماري، إلا أنّه يقرّ بأنه لم يسبق له الانخراط بالجبهة الثورية. لكنه التحق عام 1945 بألبير كامو في صحيفة Combat (الجناح الإعلامي للمقاومة الفرنسية في مواجهة النازية)، ليجمع بين دراسة الفلسفة، والكتابة، والعمل السياسي، مما سمح له بالتنقّل لاحقاً بين تجارب مهنية مختلفة. يحكي في الكتاب نفسه عن لقائه بالزعيم التونسي الحبيب بورقيبة في رحلة بحرية (1961). وقد أسرّ له فيها بسوء علاقته بالرئيس الفرنسي وقتها شارل ديغول بسبب رفض الأخير طلباً له بإعادة ترسيم الحدود التونسية. كذلك، ينتقل للحديث عن أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال أحمد بن بلة (1916ــ2012) الذي رافقه في الطائرة من الجزائر إلى القاهرة (1964ــ وكانت الزيارة فرصة للقائه اليتيم مع جمال عبد الناصر)، وينقل عن بن بلة قوله «أردت أن يخرج عبد الناصر منتصراً من السويس وحصل ذلك، وأردت استقلال الجزائر وحصل ذلك. يبقى فقط تحرير فلسطين». فلسطين كلمة محورية في حياة دانيال الذي ظل طويلاً في فرنسا يدافع عن حق الفلسطينيين في العودة وأصدر العديد من الكتب في هذا المجال. دانيال الذي يفضل تعريف نفسه بـ«الاصلاحي الراديكالي» يعيش اليوم شيخوخته بمزاج الملاحظ الذي لا يملّ. «كلنا سنموت، لكن عندما نشعر باقتراب أجلنا، نشعر برغبة جامحة في العيش أكثر».
الرجل التسعيني زار تونس العام الماضي ليكتب عن تحولات الثورة ويعرب عن خيبة أمله لما آلت إليه الأوضاع مع حكم الإسلاميين.